الملكة ماري في عيد ميلادها الـ 54: عندما تلتقي القوة بالأنوثة
احتفل البلاط الملكي الدنماركي في الخامس من فبراير، بذكرى ميلاد الملكة ماري الرابعة والخمسين، وهي المناسبة التي تأتي هذا العام في ظل ظروف استثنائية تعيشها المملكة، ولتكريم هذا اليوم، نُشرت صورة رسمية جديدة للملكة عبر حساب العائلة الملكية على "إنستغرام"، لم تكن مجرد صورة احتفالية، بل كانت بياناً بصرياً يجسد شخصية الملكة العصرية.
سيكولوجية الألوان: لماذا "الوردي المغبر" والرمادي؟

في الصورة التي التقطتها المبدعة ستاين هايل مان، ظهرت الملكة ماري ببلوزة من الحرير بلون "الوردي الباهت" أو ما يُعرف في عالم الموضة بـ (Dusty Rose). هذا الاختيار ليس عفوياً، ففي لغة الألوان، يرمز الوردي الهادئ إلى الرعاية، اللطف، والود، وهو ما يكسر حدة البدلة الرمادية ذات الصبغة الزرقاءالتي ارتدتها فوقها.
هذه البدلة، التي تحمل بصمات الدار الأسترالية سكانلان ثيودور (Scanlan Theodore)، تعكس جذور الملكة الأسترالية وتعد جزءاً من دبلوماسية الموضة التي تنتهجها، حيث تحرص دائماً على تكريم موطنها الأصلي في مناسباتها الكبرى، تصميم السترة بصف أزرار واحد وبنطال بخصر محدد يمنح الملكة قواماً ممشوقاً ويظهرها بصورة القائد العملي والأنثوي في آن واحد.
المجوهرات: رسائل الحب والتحول
لم تمر إطلالة الملكة دون تدقيق خبراء المجوهرات، فقد زينت ماري ياقة البلوزة ببروش ذهبي رقيق على شكل فراشة، وهي قطعة تحمل دلالات عميقة في البروتوكول الملكي، حيث ترمز الفراشة إلى الحرية والتحول والبدايات الجديدة، في إشارة ربما إلى مرحلتها الجديدة كملكة للبلاد.
أما الأقراط، فقد كانت من طراز "لومي دروب شاندلير" (Lumi Drop Chandelier) من تصميم جولي ساندلاو، المرصعة بالماس وحجر "المورغانيت" الوردي، اختيار المورغانيت تحديداً يعكس ذكاءً في التنسيق، فهو حجر يرمز إلى "الحب الإلهي" والرحمة، ويتناغم لونياً بشكل مذهل مع بلوزتها الحريرية.
الملكة المستدامة: فن إعادة تدوير الأزياء الفاخرة

تثبت الملكة ماري مرة أخرى أنها رائدة في مجال "الموضة المستدامة"، فالبلوزة الوردية ذات الياقة المكشكشة لم تكن جديدة، بل سبق وارتدتها في رحلتها الرسمية الأخيرة إلى ليتوانيا. هناك، نسقتها ماري بأسلوب "مونوكروم" عصري تحت سترة بيضاء من ماركة أندياتا (Andiata) الفنلندية، مع بنطال واسع الساقين، مما يثبت قدرتها الفائقة على تحويل القطعة الواحدة من طابع "رسمي عملي" إلى طابع "ملكي احتفالي".
الأناقة الرياضية في هيرنينغ

وبعيداً عن الرسميات، رصدت الكاميرات الملكة ماري مؤخراً في مدرجات ملاعب كرة اليد بهيرنينغ خلال نهائي بطولة أمم أوروبا 2026. هناك، تخلت الملكة عن الحرير والدانتيل لتختار "قميص القوة" الأحمر من لا باغاتيل (La Bagatelle)، منسقاً مع نظارات غوتشي (Gucci) ذات الإطار الرخامي الكلاسيكي.
هذا التباين بين الإطلالة الرسمية في عيد ميلادها والإطلالة العفوية في الملاعب، يوضح سر شعبية ماري، فهي الملكة التي تستطيع أن تكون أيقونة في الفخامة، وصديقة مقربة في المدرجات، دون أن تفقد ذرة من وقارها الملكي.
من هي الملكة ماري؟

لم تكن ماري إليزابيث دونالدسون تدرك أن ليلة عادية في حانة بمدينة سيدني عام 2000، ستقلب موازين حياتها وتجعل منها أول ملكة في تاريخ الدنمارك بجذور أسترالية، اليوم، وفي عام 2026، تقف الملكة ماري على رأس واحدة من أعرق الملكيات في العالم، مجسدةً نموذجاً فريداً للمرأة التي تجمع بين الانضباط الأكاديمي، الأناقة الراقية، والالتزام الإنساني العميق.
ولدت ماري في 5 فبراير 1972 في هوبارت، تسمانيا (أستراليا)، لأبوين أكاديميين من أصول اسكتلندية، تميزت حياتها الأولى بالجدية، فقد درست التجارة والقانون في جامعة تسمانيا، وعملت في قطاع الإعلانات والتسويق الدولي، هذا الخلفية المهنية هي ما منحها لاحقاً القدرة على إدارة صورتها الملكية بذكاء منقطع النظير، حيث تتعامل مع دورها كملكة بعقلية احترافية تتسم بالدقة والتنظيم.
لقاء الصدفة الذي غيّر التاريخ

في عام 2000، وأثناء دورة الألعاب الأولمبية في سيدني، التقت ماري بـ "فريد" ولم تكن تعلم أنه ولي عهد الدنمارك آنذاك، بدأت قصة حب عابرة للقارات، انتهت بزواج أسطوري في عام 2004، ومنذ تلك اللحظة، خضعت ماري لتدريبات مكثفة لتعلم اللغة الدنماركية التي أتقنتها ببراعة، ولتطويع شخصيتها الأسترالية المنفتحة مع البروتوكول الملكي الصارم.
الأدوار الإنسانية: ما وراء التاج

أسست الملكة "مؤسسة ماري" (Mary Foundation) في عام 2007، والتي تركز على ثلاث قضايا جوهرية تمس المرأة والمجتمع، وهي مكافحة العزلة الاجتماعية، والحد من العنف المنزلي، والتنمر.
الملكة الأم والقائدة

بصفتها أماً لأربعة أبناء (ولي العهد كريستيان، الأميرة إيزابيل، والتوأم فينسنت وجوزفين)، نجحت ماري في تقديم نموذج للأمومة التي توازن بين الواجبات الوطنية وتربية جيل جديد من الملوك بوعي عصري، وفي عام 2026، ومع تزايد مسؤولياتها بعد تنحي الملكة مارغريت الثانية، أثبتت ماري أنها صمام الأمان للعرش الدنماركي، حيث تحظى بنسب تأييد شعبي تتجاوز أحياناً الملك نفسه.