Run Away

مسلسل " Run Away".. اختفاء مراهقة يكشف ما تخفيه البيوت الهادئة

إيهاب التركي
31 يناير 2026

لا يتعامل مسلسل "Run Away الهروب" من إنتاج نتفليكس مع الهروب بوصفه لغزًا بوليسيًا، بقدر ما يقدّمه كفعلٍ أخلاقي صادم، نتيجةً طبيعية لانهيارٍ طويل داخل العائلة. العمل المأخوذ عن رواية للكاتب هارلان كوبن، في نسخته التلفزيونية، يبدأ من واقعة اختفاء فتاة مراهقة، لكنه سرعان ما يزيح مركز الثقل من الأسئلة: أين ولماذا ذهبت؟ إلى سؤال أكثر إزعاجًا:كيف فشلت عائلتها في رؤية انهيارها الوشيك، وهي بينهم؟

أسرار وتويستات

في ثماني حلقات مشدودة الإيقاع، يبني المسلسل عالمه على التوازي بين البحث الخارجي والتحقيق الداخلي. كل خطوة يخطوها الأب للعثور على ابنته، تكشف في المقابل طبقة جديدة من الأكاذيب الصغيرة التي تحولت، مع الوقت، إلى بنية كاملة من الخلل الأسري.

 مسلسل "Run Away الهروب"
مسلسل "Run Away الهروب"

تنطلق حبكة المسلسل من اختفاء بايج جرين (إيلي دي لانج)، فتاة مراهقة تعاني الإدمان. لاحقًا، يجدها والدها سايمون جرين (جيمس نيسبت) في حديقة عامة بصحبة شاب غامض، قبل أن تهرب ثانيةً وتختفي تمامًا. من هذه اللحظة، يتحول المسلسل إلى مسار بحث متدرّج، لا يعتمد على المطاردات السريعة بقدر ما يبني توتره عبر كشف الخلفيات والعلاقات التي أحاطت بغياب بايج.

يتقدّم السرد عبر تحريات الأب، التي تقوده إلى عالم لم يكن يعرفه عن ابنته: علاقاتها، ارتباطها بالشاب آرون، وتورطها غير المباشر في شبكة معقّدة من الأسرار، تمتد من تجارة المخدرات إلى طائفة دينية غامضة تركت أثرًا عميقًا في تاريخ العائلة. كل حلقة تضيف لغزًا جديدًا، يعيد ترتيب الوقائع السابقة ويغيّر معناها.

 مسلسل "Run Away الهروب"
ملامح  مسلسل "Run Away الهروب"

قوة الحبكة تكمن في تماسكها؛ فلا خطوط جانبية بلا وظيفة، ولا مفاجآت تُلقى لمجرد الصدمة. حتى التحولات الكبرى—التي تكشف علاقات غير متوقعة بين الشخصيات—تُزرع مبكرًا، وبهدوء، في التفاصيل الصغيرة. في المقابل، يعاني السرد أحيانًا من إيقاع متباطئ في منتصف العمل، حيث تُطيل بعض الحلقات التوقف عند النقاط النفسية نفسها، لكن هذا البطء يعكس ثِقل الحقيقة حين تتكشف تدريجيًا.

رحلة البحث عن بايج

يرتكز المسلسل تمثيليًا على أداء جيمس نيسبت في دور الأب سايمون جرين، وهو أداء قائم على الإرهاق أكثر من البطولة. نيسبت لا يقدّم محققًا لامعًا، بل أبًا مرتبكًا، يتقدّم خطوة ويتراجع خطوتين، ويطرح الأسئلة الخاطئة قبل أن يتعلّم، متأخرًا، كيف يصغي. قوته التمثيلية تظهر في المشاهد الهادئة: نظرات مترددة، جمل مبتورة، وانفعالات مكبوتة تنفجر أحيانًا بلا سيطرة. هذا الأداء يمنح الشخصية مصداقية عالية، ويجنّبها الوقوع في صورة الأب النبيل أو المذنب الكامل، بما ينسجم مع رؤية المسلسل للعائلة.

 جيمس نيسبت في دور الأب
جيمس نيسبت في دور الأب

تقدّم ميني درايفر، في دور الأم إنجريد جرين، شخصيةً أكثر تركيبًا مما يبدو للوهلة الأولى. أداؤها يمزج بين الصرامة والخوف، بين الرغبة في السيطرة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. إنجريد ليست شخصية داعمة تقليدية، بل شريكة في المأزق، ويظهر ذلك في طريقة إدارتها للأزمات، وفي صمتها المريب أحيانًا أمام أسئلة مصيرية.

أما إيلي دي لانج، في دور بايج، فتنجح في ترك أثر قوي رغم محدودية حضورها الزمني. أداؤها يبتعد عن صورة "الفتاة الضائعة" النمطية؛ فهي شخصية منكسرة لكنها واعية، هشّة لكنها قادرة على اتخاذ قرار الهروب. حضورها يتشكّل عبر الذكريات، والتسجيلات، وشهادات الآخرين عنها، وهو ما يمنح الشخصية ثِقلًا دراميًا دون الحاجة إلى ظهور متكرر.

في الأدوار المساندة، يبرز أداء روث جونز في دور المحققة الخاصة إيلينا رافنسكروفت، التي تمثل النقيض الهادئ لاندفاع الأب. أداؤها المتزن يضيف توازنًا ضروريًا للسرد، ويمنع العمل من الانزلاق إلى الميلودراما.

مسلسل "Run Away الهروب"
مسلسل "Run Away الهروب"

إخراج متحفظ

يتعامل إخراج Run Away (نمر راشد وإيشر ساهوتا) مع المادة الدرامية بحذرٍ واضح، كأنه يدرك أن القصة لا تحتمل زوايا متباهية أو حلولًا بصرية صاخبة. الرؤية الإخراجية هنا تقوم على مبدأ بسيط: ترك الأحداث تتحرك، وترك التوتر يتسرّب ببطء إلى المشهد بدل فرضه قسرًا.

منذ الحلقات الأولى، يضع المسلسل المشاهد في حالة مراقبة دائمة. الكاميرا غالبًا قريبة من الوجوه؛ أقرب إلى عينٍ تترصّد الارتباك والتردد. في مشاهد تحريات الأب، تتحرك الكاميرا ببطء محسوب، ترافقه دون أن تقوده، وكأنها تشاركه فقدان البوصلة لا بحثه عن حل. هذا الخيار يخدم فكرة المسلسل الأساسية: البحث هنا غير بطولي، وغير منتظم، ومليء بالمسارات المسدودة.

مسلسل "Run Away الهروب"
عوالم مختلفة في مسلسل "Run Away الهروب"

ينجح هذا النهج الإخراجي بشكل خاص في إدارة الانتقالات بين العوالم المختلفة التي يدخلها السرد: البيت، الشارع، مقر الطائفة، ومركز الشرطة. لا يتم التعامل مع هذه الأماكن بوصفها خلفيات محايدة، بل كحالات نفسية. البيت يبدو خانقًا رغم اتساعه، الشارع لا يمنح أمانًا حقيقيًا، ومقر الطائفة يزيد غموض وقتامة الحبكة.

في المقابل، يُؤخذ على الإخراج أحيانًا ميله إلى الإيقاع المتحفّظ أكثر من اللازم، خصوصًا في منتصف العمل. بعض الحلقات تبدو وكأنها تعيد تدوير الحالة نفسها بصريًا، دون إضافة ملموسة في اللغة الإخراجية، ما يخلق إحساسًا بالتراخي الزائد.

في المجمل، لا يسعى إخراج Run Away إلى ترك بصمة شكلية لافتة، بل يختار أن يكون خادمًا للنص والشخصيات. هو إخراج يعرف متى يتقدّم خطوة، ومتى يتراجع، ومتى يترك القصة تقول ما يكفي دون تدخّل. وهذا الوعي هو ما يمنح المسلسل تماسكه، ويحدّد نبرته الخاصة.

 لا يسعى إخراج Run Away إلى ترك بصمة شكلية لافتة
لا يسعى إخراج Run Away إلى ترك بصمة شكلية لافتة

إيقاع متوتر

يعتمد التصوير في الأساس على ألوان باردة ومطفأة، حتى في المشاهد النهارية. لا ضوء مريح هنا، ولا تباين حاد؛ فالصورة تميل إلى الرماديات والزُرق الخفيفة، ما يمنح العالم إحساسًا دائمًا بعدم الاكتمال. الكادرات غالبًا مغلقة أو شبه مغلقة، تُحاصر الشخصيات داخل الإطار، وتُشعرك بأن المساحة أضيق مما تبدو عليه فعليًا.

في المقابل، حين ينتقل السرد إلى الشارع أو الأماكن المرتبطة بماضي بايج، لا يقدّم التصوير انفراجًا بصريًا حقيقيًا. المساحات المفتوحة لا تعني الحرية، بل الضياع. الكاميرا تترك مسافات بين الشخصيات والخلفية، وكأن العالم أوسع من قدرتهم على الفهم. هذا التناقض البصري يعمّق ثيمة الهروب أكثر: فلا مكان يبدو صالحًا للاستقرار، لا داخل البيت ولا خارجه.

 مسلسل "Run Away الهروب"
مسلسل "Run Away الهروب"

تُستخدم الموسيقى التصويرية بأقصى درجات الاقتصاد. لا لحن مركزي يفرض نفسه، ولا مقاطع عاطفية تُلقّن المشاهد شعوره. بدلًا من ذلك، تأتي الموسيقى في لحظات محددة، غالبًا كنغمة منخفضة أو تردّد صوتي يكاد يكون غير ملحوظ، يرافق تصاعد التوتر دون أن يسرقه.

ويكمّل المونتاج هذه المنظومة بأسلوب غير لافت لكنه فعّال. القطع غالبًا بطيء نسبيًا، يمنح المشاهد وقتًا لاستيعاب الانفعال بدل دفعه قسرًا إلى اللقطة التالية.

قد يُؤخذ على هذه العناصر مجتمعة أنها لا تقدّم لحظات بصرية أو موسيقية "عالقة في الذاكرة" بمعناها التقليدي، لكنها، في المقابل، تنجح في خلق مناخ متماسك لا ينكسر. كل عنصر يعرف حدوده، ولا يحاول التفوّق على الآخر.

 مسلسل "Run Away الهروب"
مسلسل "Run Away الهروب" ترك بعض الأسئلة معلقة

لا إجابات سهلة

لا يسعى Run Away  في محطته الأخيرة إلى إغلاق دوائره بإحكام، ولا يقدّم نهاية مريحة تُعيد ترتيب العالم كما كان. اختياره الأوضح والأكثر جرأة هو الإبقاء على بعض الأسئلة معلّقة، ليس بوصفها نقصًا سرديًا، بل امتدادًا طبيعيًا لفكرته الأساسية: بعض الأضرار لا تُصلَح، وبعض الحقائق لا تُقال لأنها، إن قيلت، ستُدمّر ما تبقّى. النهاية هنا لا تحتفي بالحل، بل تواجه المشاهد بثمن المعرفة، وبحدود ما يمكن للعائلة احتماله دون أن تنهار كليًا.

نقطة قوة المسلسل الكبرى تكمن في تماسك رؤيته. الحبكة، والإخراج، والأداء، والعناصر الفنية، تعمل جميعها في اتجاه واحد، دون تناقض أو افتعال. لا يحاول العمل أن يكون أكثر ذكاءً مما ينبغي، ولا يسعى إلى إبهار المشاهد بتويستات متلاحقة على حساب المنطق. حتى المفاجآت الكبرى، حين تأتي، تكون منسجمة مع المسار العام، ومبنية على تفاصيل سابقة لا على قفزات اعتباطية.

 مسلسل "Run Away الهروب"
مسلسل "Run Away الهروب"

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا الالتزام بالواقعية النفسية يأتي أحيانًا على حساب الإيقاع. بعض المقاطع تتباطأ أكثر مما يلزم، وبعض التكرار في الحالات الشعورية قد يرهق مشاهدًا يبحث عن تصعيد أسرع. لكن هذا العيب ذاته يكشف طبيعة العمل: Run Away لا يُشاهَد بعين المتفرج الباحث عن الإثارة الخالصة، بل بعين من يقبل التورّط التدريجي في مأزق أخلاقي معقّد، وعاطفي بامتياز.

الصور من حساب نتفليكس.