أوسكار الأمهات.. كيف عكست ترشيحات الأكاديمية هموم النساء العائلية
تجذّر تأثير الصوابية السياسية السلبي داخل صناعة هوليوود، وامتد أثره إلى ترشيحات وجوائز الأوسكار منذ سنوات. تتأثر الاختيارات الآن بالتريندات واتجاهات الرأي العام على السوشيال ميديا، فتخطب ود النسويات والأقليات ومجتمع السود؛ وذلك من خلال تشجيع أعمال متواضعة أو عادية في أغلب الأحوال. نجت فئات أفضل ممثلة وأفضل ممثلة دور مساعد من هوس الصوابية – نسبيًا – في ترشيحات الدورة القادمة من جوائز أكاديمية العلوم والفنون (الأوسكار) 2026، إذ طغى تقييم الأداء والتعبير عن المشاعر الإنسانية على الترشيح على أساس التنظير النسوي والعرقي.
الحب والفقدان
سيطرت هموم الأمومة والعلاقات العائلية – بهدوء ودون صخب أو خطب دعائية – على الأدوار النسائية المرشحة للفوز بالأوسكار في هذه الدورة. تظهر أغلب الأفلام المختارة النساء بمشاعر أصيلة نقية داخل إطار الأسرة.
الأمومة والعائلة هنا ليست موضوعات هامشية، بل هي النواة التي يدور حولها كل شيء:
أم تفقد ابنها فتفقد بوصلة التواصل مع الحياة وعائلتها (جيسي بكلي في Hamnet "هامنت")،
أم تكافح مرض طفلتها حتى تفقد اتزانها العقلي (روز بيرن في If I Had Legs I'd Kick You "لو كانت لي ساقان لركلتك")،
امرأة تُعيد بناء علاقة مفقودة مع أبيها فتُعيد اكتشاف نفسها كابنة (ريناته رينسف في Sentimental Value "القيمة العاطفية")،
فتاة ثورية جامحة حامل لا توقفها بطنها البارزة عن حمل السلاح ومواصلة الكفاح من أجل قضيتها (تيانا تايلور في One Battle After Another "معركة تلو الأخرى").
الأكاديمية هذا العام رشحت أمهات يُعدن كتابة تاريخ العلاقات الإنسانية، يعكسن هموم العائلة، ويستخدمن المشاعر لتلوين لوحات من وحي الواقع.

لحظات الألم
جيسي بكلي في Hamnet (هامنت) لا تُمثل أمًا فقدت ابنها فحسب؛ إنها ابنة الطبيعة التي كانت تصنع الدواء من الأعشاب التي تجمعها من الغابة، وخسرت معركتها ضد الطاعون حينما فقدت ابنها، ثم بعد زمن تُهمس باسم الطفل الميت في عمق الغابة كأن الريح قد تُعيده إليها؛ الطبيعة هنا ليست خلفية، بل هي الحياة نفسها. الغابة تبتلع صوتها، تُخفي آثار خطواتها، وتُعيد إنتاج الفراغ الذي تركه الابن. أداء جيسي بكلي مفعم بالمشاعر والانفعالات الصادقة، عميق وأصلي وينافس بقوة على الجائزة.

روز بيرن في If I Had Legs I'd Kick You (لو كانت لي ساقان لكنتُ ركلتك) تُحول الذنب إلى مادة يومية ثقيلة. ابنتها المريضة موجودة في المشاهد، لكن الكاميرا لا تكشف ملامحها؛ نسمع الطفلة ونلمح يدها أو خصلة من شعرها دون أن نراها بشكل كامل – كأنها هلاوس أم معذبة بذنب لا نعرفه. تتوحد روز بيرن مع الشخصية غريبة الأطوار وتجسد شخصية غامضة تثير الشفقة والسخرية، إنها مثل عنوان الفيلم الغريب: الشخصية لها ساقان وتتحرك ومع ذلك تشعر بالعجز والغضب. البطلة تتركنا في حالة مربكة بين الإشفاق وعدم فهم جذور ألمها.

الميلاد وأزمات الطفولة
تيانا تايلور في One Battle After Another (معركة تلو الأخرى) تُجسد الثورة والجموح والأمومة، تمردها لا يوقفه حملها. بطنها البارزة ليست مجرد علامة جسدية؛ إنها رمز للمعركة التي تُخاض من أجل عائلتها الصغيرة. المشهد الذي تتدرب فيه على إطلاق النار وبطنها تتقدم كأنها درع – هو لحظة خام، غير مصقولة، تجعل الثورة تبدو كأنها صراع بقاء قبل أن يكون خلافًا سياسيًا. ترشيح تيانا يعود في أغلبه إلى مفاجأة أدائها الجامح وتوظيف طاقتها الخام التي تجعل شخصيتها ذات حضور طاغ، لكنها لم تقدم شيئًا مميزًا خارج هذا الإطار.
ريناته رينسف في Sentimental Value (القيمة العاطفية) ممثلة تُواجه أباها المخرج كأنها تُحاكمه على غيابه أثناء طفولتها وعلى الألم الذي سببه لأمها الراحلة. الأب – مثل شكسبير هامنت – يضع مشاعره داخل أعماله الإبداعية. فيذهب السيناريو إلى ممثلة أمريكية. يبحث الأب عن ابنته من خلال هذا اللقاء الفني؛ إنه محاولة لبث الدفء في علاقة عائلية فاترة يكسوها جليد الجفاء.

الموسيقى والأسلحة
إنجا إيبسدوتر ليلياس في (القيمة العاطفية) تُجسد الأخت التي تحمل عبء الأمومة المرفوضة؛ نظرتها إلى أختها تحمل مزيجًا من الحنان والغيرة المكبوتة. أما إيل فانينج، العالقة في وسط هذه التعقيدات العائلية، فتُقدم شخصية ممثلة أمريكية تُدخل في دراما نرويجية لا تستوعبها، تظهر كم هي غريبة في هذه العائلة.
إيما ستون في Bugonia (بوجونيا) لا تتحدث عن الأمومة أو العائلة مباشرة؛ إنها سيدة أعمال مخطوفة، يظن خاطفوها أنها كائن فضائي يهدف للقضاء على البشر، من مكان احتجازها تقاوم من أجل النجاة. عيناها تبحثان دائمًا عن مخرج في غرفة بلا أبواب، جدلها العبثي مع خاطفها محاولة لإتقاء شره.

آمي ماديجان في Weapons (أسلحة) تُجسد "العمة" غلاديس التي تحمل سرًا عائليًا مظلمًا؛ يداها ترتجفان وهي تُحاول إخفاء الحقيقة عن ابنة أختها. وونمي موساكو في (خطاة) تُحذّر من لعنة تصيب القرية، تعاويذها لا تمنع القدر المحتوم ولا الدم المراق.
كيت هودسون في Song Sung Blue (على أنغام موسيقى البلوز) تُغني كأن الصوت هو الذي يبقيها حية. جسدها يتحرك على المسرح كأنه يطلب الغفران من جمهور غائب. تحولها من نجمة خفيفة إلى امرأة مثقلة بالندم.
من الأجدر بالجائزة؟
في فئة أفضل ممثلة رئيسية، يبدو الصراع محتدمًا بين ثلاث نساء:
إيما ستون (بوجونيا): صاحبة الترشيح الأكثر زخمًا، هذا ترشيحها السابع في الأوسكار (بما في ذلك الترشيحات السابقة كرئيسية ومساعدة)، مما يجعلها – بعمر 37 عامًا – أصغر امرأة في تاريخ الأوسكار تحصل على سبع ترشيحات، متجاوزة الرقم السابق لميريل ستريب (38 عامًا). فازت سابقًا مرتين بجائزة أفضل ممثلة رئيسية (La La Land 2016، Poor Things 2023)، وترشحت كمساعدة عن The Favourite 2018. هذه عودة قوية، لكنها ليست الأولى؛ إنها استمرار لمسيرة مُكثفة.
جيسي بكلي (هامنت): الأجدر بكل المقاييس الفنية؛ هذا ترشيحها الثاني في الأوسكار. الأول كان ترشيحًا لأفضل ممثلة مساعدة عن The Lost Daughter (2021)، ولم تفز. هذه أول مرة في فئة الرئيسية، وهي تمثل خطوة انتقالية مهمة لممثلة أيرلندية بدأت تُعرف بأدوارها الداعمة القوية.

ريناته رينسف (القيمة العاطفية) تحمل بطاقة درامية قوية هذا العام، تدخل السباق لأول مرة كممثلة رئيسية، وهي تمثل الوجه الجديد الأوروبي في هذه الفئة. أداؤها كابنة تواجه أباها يجمع بين الألم والغضب المكبوت بطريقة تُذكّر بالأعمال الأوروبية التي فازت في السنوات الأخيرة. زخم الفيلم قوي (ترشيحات متعددة في السيناريو والإخراج).
روز بيرن وكيت هودسون أقل حظًا: الأولى بسبب غموض فيلمها وإيقاعه البطيء جدًا، والثانية بسبب ميل الفيلم إلى الميلودراما التقليدية.
الأدوار الداعمة
في فئة أفضل ممثلة مساعدة، يبدو السباق أكثر وضوحًا: وونمي موساكو في Sinners (خطاة) تحمل أقوى فرصة. الفيلم حصد 16 ترشيحًا – رقم قياسي – مما يعني زخمًا هائلاً؛ هذا أول ترشيح أوسكار لها. الممثلة البريطانية-نيجيرية التي برزت في أدوار داعمة قوية، تجد نفسها الآن في دائرة الضوء الأكبر.
إيل فانينج وإنغا إيبسدوتر ليلياس (القيمة العاطفية) يتنافسان على نفس الفيلم، وهذا أول ترشيح للأوسكار لكل منهما على الإطلاق، مما قد يُقسم الأصوات. فانينج كدخيلة في دراما عائلية نرويجية تقدم أداءً رقيقًا، لكن دورها أقل عمقًا من رينسف. ليلياس الأخت تحمل عبئًا صامتًا، لكن الفيلم يركز أكثر على البطلة الرئيسية ريناته رينسف.

تيانا تايلور (معركة تلو الأخرى) مفاجأة محتملة: أول ترشيح أوسكار لها. الممثلة والمغنية التي تحولت إلى نجمة سينمائية، تدخل السباق كوجه جديد تمامًا. أداؤها يحمل طاقة خام ملفتة. لكن الدور محدود.
آمي ماديجان في Weapons (أسلحة): هذه ترشيحها الثاني بعد 40 عامًا بالضبط من ترشيحها الأول (أفضل ممثلة مساعدة عن Twice in a Lifetime 1985، ولم تفز)؛ هذا الفارق الزمني يُسجل رقمًا قياسيًا لأطول فترة بين ترشيحين لممثلة في تاريخ الأوسكار، مما يجعل عودتها حدثًا تاريخيًا بحد ذاته.
روز بيرن (إذا كانت لي ساقان لكنتُ ركلتك): أول ترشيح أوسكار لها على الإطلاق. الممثلة الأسترالية التي اشتهرت بأدوار كوميدية ودرامية في السنوات الأخيرة، تجد نفسها الآن – لأول مرة – في دائرة الضوء الأكاديمي.
كيت هودسون في Song Sung Blue (على أنغام موسيقى البلوز): هذه ترشيحها الثاني بعد 25 عامًا بالضبط من ترشيحها الأول (أفضل ممثلة مساعدة عن Almost Famous 2000، ولم تفز)؛ عودة نادرة بعد ربع قرن، تُذكّر بأن بعض الوجوه تختفي ثم تعود بقوة أكبر.