برندان فريزر

براندن فريزر يؤجر مشاعره في "Rental Family".. كوميديا تزييف التواصل الإنساني

إيهاب التركي
21 يناير 2026

يعيش بطل فيلم  Rental Family، فيليب (براندن فريزر)، في قلب طوكيو — مدينة لا تنام —؛ أضواءها النيون تُضيء وجوه غرباء يبحثون عن شيء لم يعد موجودًا: دفء عائلي، صوت أب، ضحكة أم، حتى لو لساعات قليلة فقط. هو ممثل أمريكي مغمور ومنسي، البعض لا يزال يذكر وجهه من إعلانات قديمة قدمها، لكنه فقد بريقه منذ زمن بعيد. يعيش وحيدًا في شقة صغيرة، جدرانها رقيقة تسمح لأصوات الجيران بالتسرب كأنها حياة بديلة.

ينتظر دورًا يعيد إليه التقدير، لكن الدور الذي يأتي ليس في فيلم سينمائي، بل في الحياة نفسها: يُستأجر ليكون أبًا، زوجًا، ابنًا، صديقًا لأناسٍ يدفعون ليملأوا فراغ حياتهم.

الوحدة والفقدان

فيليب ليس مجرد ممثل عاطل؛ هو رجل فقد دوره في الحياة قبل أن يفقده في الشاشة. يعيش في طوكيو منذ سبع سنوات، ينتظر مكالمة لن تأتي، يتجول في شوارع مضيئة لا تعرفه. يأتي العرض الغريب من وكالة “Rental Family” — أو "عائلة بالإيجار" —، وهي خدمة يابانية حقيقية تُستأجر فيها أشخاص ليلعبوا أدوارًا عائلية. فيليب يقبل، ليس بدافع الحاجة إلى المال فقط، بل لأن الدور — أي دور — يعني أن يشعر بدفء التواصل مع الآخرين.

كل مهمة من يوميات مهنة فيليب تصبح مشهدًا جديدًا: يؤدي دور صديق أجنبي لحضور جنازة شخص لا يعرفه، يتزوج فتاة ليقبل أهلها سفرها خارج البلاد، يتعلم كيف يلاطف ابنة لم يرها من قبل، يحاول أن يبكي بصدق أمام أناس يدفعون له ليبكي. لكن التمثيل يبدأ يتسرب إلى داخله.

ب

لا تلجأ الحبكة إلى صراعات خارجية كبيرة، بل تجعل الصراع داخليًا، في قلب فيليب نفسه. كل دور يقرّبه من حقيقته، ومن حقيقة العملاء، بعض مهامه تحمل شبهة الخداع الاجتماعي والعاطفي. حتى يصبح السؤال المركزي: هل التمثيل كذب، أم هو وسيلة لتخفيف آلام الآخرين؟ التحول الداخلي لفيليب يأتي بسلاسة كبيرة أحيانًا، كأن الفيلم يخشى الغوص في قتامة الفكرة، فيفضل النور السريع. هذا يجعل التطور الدرامي مريحًا جدًا، لكنه يجعل الفكرة تفقد بعض عمقها الإنساني.

ا

مشاعر للإيجار

براندن فريزر يدخل الفيلم كأنه شبح عائد من عصر آخر، وجهه المألوف لا يزال يحمل تلك الابتسامة الدافئة التي جعلتنا نحبه في أفلام التسعينيات، لكن عينيه الآن تحملان وزن سنوات من الانتظار والنسيان. شخصية فيليب فانداربلوج ليس مجرد ممثل عاطل؛ هو رجل فقد دوره في الحياة قبل أن يفقده على الشاشة، لا نعرف الكثير عن ماضيه لكن الحزن في عينيه يحكي مأساة تقبع في أعماقه.

فريزر يقدم أداءً هادئًا، رقيقًا، يعتمد على الصمت أكثر من الكلام. عيونه المتعبة تحكي قصة سنوات من الرفض، ابتسامته المريرة تخفي ألمًا لا ينطق به، وحركات يديه — التي أصبحت الآن تتردد — تمتد ببطء لتمسك يد طفلة لم يرها من قبل، أو يربت على ظهر ممثل عجوز لا يعرف شىء عن أدواره الفنية.

ا

يعتمد الفيلم على قوة فريزر في نقل التناقض الأساسي: رجل يتقمص الأدوار العائلية ببراعة، ومع ذلك عاجز تمامًا عن بناء عائلة حقيقية لنفسه. في مشهد جنازة، يلعب دور صديق الأب الراحل، يرى دموع الأبناء الحقيقيين، فيشعر بالذنب لأنه «مزيف»، ثم بالارتباط لأنه أصبح حقيقيًا في تلك اللحظة — تحول داخلي يحدث دون كلمات كثيرة، فقط من خلال نظرة، صمت، لمسة يد مرتجفة. هذا النوع من الأداء الناعم، الذي يعتمد على الداخل أكثر من الخارج، هو ما يجعل فريزر يتألق.

يبدو «براندن فريزر» أحيانًا كأنه يعيد — بوعي أو بدون وعي — أدوارًا سابقة (الرجل الطيب المكسور)، لكن هذا لا يقلل من قوة أدائه العام، بل يُعد من أفضل ما قدمه منذ فيلم  The Whale.

ت

الكوميديا والدموع

الكوميديا في Rental Family لا تأتي بصخب أو نكات مفتعلة، بل تتسلل كبسمة محرجة في لحظات الصدق المفاجئ. هي كوميديا «خفيفة» لأنها لا تسخر من الشخصيات، بل من الوضع الإنساني ذاته: أناس يدفعون ليحصلوا على حب مؤقت، وممثل يتقاضى أجرًا مقابل منحه إياه.

كل دور يقرّب فيليب من حقيقته: يبدأ كممثل يقلد العواطف، ثم يجد نفسه يشعر بها فعلاً. في مشهد يلعب فيه دور «الأب» المؤقت لطفلة صغيرة — من أجل مساعدتها على الالتحاق بمدرسة خاصة —، تتعلق الطفلة به، فيجد صعوبة في هجرها. وفي مهمة أخرى، يلعب دور صحفي يلتقي بممثل عجوز نسيه الجميع، لكنه يرتبط به أكثر من اللازم. هذا الإنغماس في حياة الآخرين يضغط عليه، فيحاول أن يبدو حقيقيًا — حرصًا على مشاعر الآخرين، ولأنه يتمنى لو كانت العلاقة حقيقية.

بعض اللحظات العاطفية تبدو متوقعة، كأن الفيلم يتبع مسارًا آمنًا جدًا: الضحك أولاً، ثم الدموع، ثم التصالح. هذا يجعل الدراما أحيانًا أقل حدة، لكن هذا العيب ذاته يتحول إلى جزء من سحر الفيلم.

و

مدينة من الزجاج والنيون.. قصيدة هادئة في مدينة صاخبة

طوكيو في Rental Family ليست مجرد خلفية؛ إنها كائن حي يتنفس الوحدة. هيكاري تصورها كمدينة من الزجاج والنيون، مضيئة بلا دفء، كأنها مجموعة من الذكريات المستأجرة: تُضاء للحظة ثم تُطفأ. الألوان هنا محسوبة بدقة مؤلمة: دافئة فقط في المشاهد العائلية المزيفة، ثم تعود فجأة إلى البرودة القاسية في شقة فيليب. 

مزايا إخراجها في الجمال البصري الخجول: طوكيو تظهر كمدينة مضيئة لكنها باردة، الأنوار النيون تتسرب إلى الشوارع كدموع لا تسقط، والألوان الدافئة تظهر فقط في المشاهد العائلية المزيفة — كأن الدفء نفسه مستأجر. 

ت

التصوير يعتمد على لقطات طويلة ثابتة غالبًا، كأن الكاميرا لا تريد أن تتدخل، بل تراقب فقط. في مشهد يمشي فيه فيليب في شوارع مزدحمة، تبقى الكاميرا بعيدة، تتركه صغيرًا جدًا وسط بحر من الناس الذين لا يلتفتون إليه — كأن المدينة نفسها لا تكترث به.

هيكاري — المخرجة اليابانية الشابة التي شاركت في كتابة السيناريو مع ستيفن بلاهوت —. إخراجها هادئ ورقيق؛ يعتمد على الصمت أكثر من الحوار، وعلى الفراغ أكثر من الحركة. لا توجد لقطات مبهرجة أو موسيقى تصاعدية درامية؛ هناك فقط إيقاع بطيء يشبه نبض قلب متعب، يترك مساحة للعواطف تتنفس.

ن

هيكاري لا تخاف من البطء، بل تجعله جزءًا من اللغة. لقطاتها الطويلة لا تُستخدم للإبهار، بل لإعطاء الشخصيات وقتًا ليشعروا بالوحدة. الفيلم يفقد بعض الإيقاع في المنتصف. هناك لحظات تشعر فيها أن هيكاري تحب شخصياتها أكثر مما يحتاج الفيلم إليه، فتتركهم يتنفسون طويلًا جدًا.
عندما يصبح التمثيل أصدق من الحياة

في النهاية، Rental Family  لا يقدم إجابة واضحة، بل يتركنا مع سؤال يتردد في الصمت: هل يمكن أن يولد الصدق من الكذب؟ وهل يمكن لدور مستأجر — ولو لساعة أو يوم أو أسبوع — أن يترك أثرًا أعمق من علاقات دامت سنوات؟ فيليب يبدأ الفيلم كرجل يقلد العواطف مقابل المال، لكنه ينتهي كرجل يعيشها فعلاً، ولو للحظات. العملاء الذين دفعوا له ليملأ فراغهم، وجدوا — في النهاية — أنفسهم يملأون فراغه بدورهم. التمثيل، الذي بدأ كقناع، انتهى بأن أصبح الوجه الحقيقي.

ل

هيكاري لا تُسرع في إغلاق الدائرة، ولا تُجبرنا على دموع كبيرة أو تصالح درامي. الفيلم ينتهي كما بدأ: بمدينة لا تنام، لكنها الآن تبدو — ولو قليلاً — أقل برودة، كأن شخصًا ما، وإن للحظة فقط، شعر بدفء غريب في ليلة شتوية.

هذا ليس فيلمًا عن «الاستئجار» فقط، بل عن البحث عن من يرانا حقًا عندما نعجز عن رؤية أنفسنا. هيكاري لا تقدم حلولاً سهلة، بل تتركنا مع طعم حلو مر: أن الحب — حتى لو كان مؤقتًا — يمكن أن يكون أصدق من الحياة نفسها. الفيلم مثل غرفة انتظار طويلة، هادئة، مليئة بوجوه غرباء، لكن في النهاية يبتسم أحدهم لك، وتشعر أنك لست وحيدًا تمامًا. هو ليس تحفة فنية كبيرة، لكنه صادق ورقيق، ويترك أثرًا هادئًا عميقًا في القلب.

ب

الصور من حساب Searchlight Pictures