الملكة سيلفيا (السويد - 1976)

تحية للبدايات: ملحمة التيجان والنساء اللواتي حكمن القلوب عبر التاريخ

عبد الرحمن الحاج
15 يناير 2026

خلف كل تاج حكاية امرأة، وخلف كل مراسم تتويج لحظة ارتعاش إنسانية سبقت الصعود إلى العرش، سنبحر معكن اليوم عبر الزمن، لنستعرض قصص ملكات أوروبا في لحظاتهن الأولى.

  1. الملكة إليزابيث الثانية (المملكة المتحدة - 1953)

الملكة إليزابيث الثانية (المملكة المتحدة - 1953)

حين استيقظت إليزابيث الثانية في صباح الثاني من يونيو، لم تكن تفكر في الأناقة بقدر ما كانت تفكر في ثقل الأمانة، بدأت قصتها الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية حين أصرت على العمل كخياطة وميكانيكية سيارات، وهي الروح العملية التي حملتها معها إلى الكاتدرائية.

يحكى أن إليزابيث كانت تضع التاج أثناء تناولها الإفطار لأيام قبل التتويج، لتعتاد رقبته على وزنه، وفي لحظة سرية، طلبت من المصمم "نورمان هارتنيل" إضافة "برسيم أيرلندي" خفي بجانب التطريز ليكون تميمة حظ لها.

الملكة إليزابيث الثانية كانت أول ملكة تصر على أن يرى الشعب مراسمها عبر التلفاز، كاسرةً حاجز الغموض الملكي، لقد علمتنا إليزابيث أن المرأة يمكن أن تكون هشة في حزنها على والدها، لكنها صلبة كالماس في أداء واجبها، الذي استمر لأعوام طويلة مسجلة بذلك أرقامًا قياسية، ورفضت أن تتوانى أو تعتذر عن واجبها حتى في شدة مرضها الأخير.

  1. الملكة مارغريت الثانية (الدنمارك - 1972)

الملكة مارغريت الثانية (الدنمارك - 1972)

في ليلة شاتية من يناير، وقفت مارغريت الثانية أمام شعبها، لم يكن هناك فستان تتويج مرصع بالألماس، بل وشاح أسود يغطي قلباً مكلماً برحيل والدها قبل ساعات قليلة.

يذكر التاريخ أن مارغريت كانت أول امرأة تعتلي العرش الدنماركي منذ قرون، وسط تساؤلات عما إذا كانت المرأة قادرة على قيادة أقدم ملكية في أوروبا، فردت مارغريت ليس بالكلمات، بل بالفعل، فكانت الملكة التي تترجم الكتب، وترسم لوحات، وتصمم أزياء الباليه.

لقد حولت مارغريت صورة الملكة من أيقونة صامتة إلى شخصية فاعلة، تشارك شعبها اهتماماته الفنية والبيئية، مؤكدة أن الثقافة هي التاج الحقيقي للمرأة.

في النهاية، وحين رأت أن دورها قد اكتمل، وأنها قامت بواجبها على أكمل وجه، فضلت الدفع بروح شابة جديدة، لتحمل الشعلة من بعدها، فتنازلت عن العرش لابنها الأكبر في مفاجأة هزت العالم.

  1. الملكة سيلفيا (السويد - 1976):

الملكة سيلفيا (السويد - 1976):

قصة سيلفيا هي الحلم الذي أصبح حقيقة، فتاة من عامة الشعب، تتحدث سبع لغات، وجدت نفسها في قلب القصر السويدي الصارم، في يوم زفافها وتنصيبها الشعبي، كانت سيلفيا تواجه بروداً من الحاشية الملكية، لكنها لم تستسلم، بل أحضرت معها دفء البرازيل موطن والدتها، عندما غنت فرقة ABBA أغنية "Dancing Queen" لها، كانت تلك اللحظة هي تتويجها الحقيقي في قلوب الشباب السويدي.

سيلفيا لم تحاول أن تكون ملكة تقليدية، بل استغلت منصبها لحماية الأطفال المهمشين، مؤكدة أن اللقب الملكي هو مجرد منصة لخدمة الإنسانية.

  1. الملكة بياتريكس (هولندا - 1980):

الملكة بياتريكس (هولندا - 1980):

لم يكن يوم تنصيب بياتريكس سهلاً، فقد كانت أمستردام تغلي بالاحتجاجات، لكن بياتريكس أثبتت منذ اللحظة الأولى أنها خلقت من طينة مختلفة.

بياتريكس التي عاشت طفولتها كلاجئة في كندا خلال الحرب، تعلمت أن العرش ليس مكاناً للاختباء، في يوم تنصيبها، ارتدت رداء المينك التاريخي، لكن نظرتها كانت تنم عن إدارة حازمة.

ألهمت بياتريكس النساء بقدرتها على إدارة المملكة كمؤسسة ناجحة، كانت تطلب تقارير يومية وتناقش الوزراء بجدية، محولةً دور الملكة إلى منصب تنفيذي يلهم كل امرأة طموحة في عالم الإدارة والسياسة.

وكما وصلها العرش بالتنازل، أعلنت بياتريكس عام 2013 عن تنازلها عن العرش لابنها الأكبر، وقالت: أنا لا أنسحب لأن مهمتي أصبحت ثقيلة علي، ولكن لاقتناعي بأن مسؤولية بلدنا يجب أن تكون في أيدي جيل جديد.

  1. الملكة سونيا (النرويج - 1991):

الملكة سونيا (النرويج - 1991):

إذا كان هناك جائزة للصبر الجميل في الممالك الأوروبية، فهي بلا شك من نصيب الملكة سونيا،فخلف بريق التتويج، تختبئ قصة حب دامت تسع سنوات من الانتظار السري. سونيا لم تكن من عائلة ملكية ولا حتى أرستقراطية، بل كانت ابنة لتاجر قماش، رفض الملك أولاف الخامس والد زوجها زواجهما بشدة، لدرجة أن ولي العهد حينها "هارالد" هدد بالتخلي عن العرش والبقاء عازباً للأبد إذا لم يتزوجها.

لم تكن النرويج قد شهدت مراسم تتويج لملكة قرينة منذ عام 1906، حين أُعلن هارالد ملكاً وسونيا ملكة، كانت تلك اللحظة بمثابة انتصار للإرادة الإنسانية، لم تكن سونيا ترتدي التاج كزينة، بل كرمز للمرأة التي صمدت في وجه الرفض المجتمعي والسياسي.

في حفل التكريسظهرت سونيا برصانة مذهلة، ما ألهم العالم هو تركيزها فور توليها المنصب على تحويل القصر إلى مكان يدعم الفنون الراقية، فسونيا ليست ملكة فحسب، بل هي فنانة تشكيلية ومصورة محترفة، وألهمت النساء بأن الاستحقاق لا يأتي بالولادة، بل بالعمل والثقافة.

  1. الملكة ماكسيما (هولندا - 2013):

الملكة ماكسيما (هولندا - 2013)

حين نتحدث عن ماكسيما، نتحدث عن العفوية الذكية، في يوم تنصيب زوجها، كانت ماكسيما هي من خطفت الأضواء بدموعها الصادقة، منع والد ماكسيما من حضور التتويج بسبب ماضيه السياسي، وهو ما كسر قلبها، وحين عزفت مقطوعة أرجنتينية في الكنيسة، انهمرت دموعها أمام الملايين، تلك اللحظة لم تكن ضعفاً، بل كانت قمة الإنسانية.

ماكسيما، خبيرة المال السابقة، ألهمت كل امرأة مهاجرة بأن الذكاء والاجتهاد يمكنهما أن يفتحا لكِ أبواب القصور، وأن الحفاظ على هويتكِ الأصلية هو سر جاذبيتكِ.

  1. الملكة ماتيلد (بلجيكا - 21 يوليو 2013):

الملكة ماتيلد (بلجيكا - 21 يوليو 2013)

دخلت ماتيلد التاريخ كأول ملكة لبلجيكا مولودة فعلياً على أرض بلجيكية ومن أصول نبيلة محلية، وهو أمر كان له دلالة رمزية هائلة لشعب منقسم بين الفلمنك والوالون.

في يوم تنصيب زوجها الملك فيليب، بعد تنازل والده الملك ألبير الثاني عن العرش، ظهرت ماتيلد كأيقونة للثبات، ما لا يعرفه الكثيرون أن ماتيلد "أخصائية نطقبالأساس، وهذه الخلفية المهنية جعلت بدايتها كملكة تتسم بالقدرة الفائقة على التواصل والإنصات.

في يوم التنصيب، ارتدت فستاناً أبيضاً بسيطاً من تصميم "ناتان"، وكان بريق عينيها يعكس مسؤولية كبيرة، وألهمت ماتيلد النساء بقدرتها على الجمع بين الأمومة وبين دورها كقائدة مجتمعية تهتم بالصحة النفسية والتعليم،وهي ملكة لا تكتفي بالبروتوكول، بل تعمل مع الأمم المتحدة كداعية لأهداف التنمية المستدامة.

  1. الملكة ليتيزيا (إسبانيا - 2014):

الملكة ليتيزيا (إسبانيا - 2014)

ليتيزيا هي الملكة العاملة، صحفية ميدانية غطت الحروب وأحداث 11 سبتمبر، لتجد نفسها تتحول من سيدة مطلقة إلى ملكة تضع التاج الإسباني، في وقت كانت الملكية تعاني فيه من أزمة ثقة، في يوم تنصيبها، رفضت ليتيزيا البهرجة، اختارت زياً أبيضاً بسيطاً يعبر عن "الشفافية"، لم تكن تريد أن تبهر الناس بجمالها، بل بجدية عملها.

ألهمت ليتيزيا النساء بأن الماضي المهني هو رأس مال لا يمكن التخلي عنه، هي اليوم الملكة التي تناقش قضايا التغذية والتعليم بقوة الصحفية ورصانة الملكة.

  1. الملكة كاميلا (المملكة المتحدة - 2023):

الملكة كاميلا (المملكة المتحدة - 2023)

تتويج كاميلا هو قصة عن النضج والقبول، في سن الخامسة والسبعين، وقفت كاميلا لتتوج ملكة بجانب تشارلز، بعد عقود من العواصف الإعلامية.

كانت كاميلا قلقة من رد فعل الجمهور، لكنها واجهت الموقف بهدوء ريفي بريطاني، فستانها كان يحمل أسماء أحفادها، مما يوضح أن أولويتها الأولى هي العائلة، كاميلا ألهمت العالم بأن البدايات المتأخرة قد تكون هي الأجمل، وأن العمل بصمت ودعم الشريك يمكن أن يغير أقسى الصور الذهنية.

نشير إلى أنه وقبل وفاة الملكة إليزابيث الثانية بقليل، لم تكن كاميلا لتحمل لقب ملكة، إلا أن الملكة إليزابيث استشعرت الضرورة وأصدرت قرارها بمنح كاميلا لقب ملكة بعد تتويج الملك تشارلز، ورغم ما كانت تجده من برود شعبي في بداية زواجها من تشارلز، استطاعت بعد التتويج أن تقوم بواجبها وتكتسب شعبية جارفة.

  1. الملكة ماري (الدنمارك - 2024):

الملكة ماري (الدنمارك - 2024)

ماري دونالدسون، الفتاة الأسترالية التي كانت تعمل في التسويق، أصبحت اليوم ملكة الدنمارك في مشهد أسطوري شهده العالم في مطلع عام 2024، وقفت ماري على الشرفة بجانب الملك فريدريك العاشر- الذي تنازلت له والدته مارغريت الثانية-، مرتديةً الأبيض الناصع، تلك اللحظة لم تكن مجرد انتقال للسلطة، بل كانت تتويجاً لـ 20 عاماً من العمل الجاد في تعلم اللغة المعقدة والاندماج في نسيج المجتمع الدنماركي.

ماري تلهم النساء بأن المرونة هي سر البقاء، هي اليوم ملكة تهتم بالمناخ والحد من الفقر، محولةً دورها إلى رسالة عالمية تتخطى حدود القصر.