أبطال Stranger Things

وداع مخيب لـ"Stranger Things" : عندما خاف صُناعه من الجمهور!

إيهاب التركي
13 يناير 2026

هوكينز، مدينة صغيرة تئن تحت رحمة بوابات مفتوحة على عالم آخر، الصدوع تبتلع الأرض، ووحوش تتسلل كظلال في ليلة عاصفة. ثم مجموعة من الأصدقاء الصغار، يواجهون فيكنا، الشر الأعظم، في محاولة أخيرة لإغلاق البوابات وإنقاذ هوكينز. هذا هو مسار الموسم الخامس والأخير من Stranger Things، الذي عرضته نتفليكس مقسمًا إلى جزأين، تأليف وإخراج الأخوين دافر، وبطولة ميلي بوبي براون، وفين وولفارد، ونواه شناپ، وسادي سينك، وغيرهم. ليس مجرد خاتمة لسلسلة بدأت كمغامرة أطفال في الثمانينيات، بل تأمل في كيف ينتهي شر العالم المقلوب، هل بالنصر الساحق أم بالتسويات المرة؟ العمل كلوحة كبيرة رسمها الأخوين دافر على مدى سنوات، مليئة بألوان الرعب والصداقة، لكن في النهاية تبدو أغلب الخطوط مشوشة، كأن فرشاة الرسام تلفت من الرسم الطويل.

هوكينز المحطمة

الموسم يبدأ مباشرة بعد انفتاح الصدوع، هوكينز مدمرة، والأبطال متحدون لهدف واحد: قتل فيكنا الذي اختفى. إيليفن (ميلي بوبي براون) تستعيد قوتها تدريجيًا، والفريق يجمع قواه مع شخصيات قديمة، في رحلة مليئة بكشوفات عن أصل فيكنا وشخصية هنري كريل. الحلقات الأولى تتسارع كعاصفة، مشاهد أكشن متواصلة، كشف عن خطط فيكنا، ومواجهات تجعل القلب يخفق. تتصاعد وتيرة التوتر والتشويق حتى معركة الصدوع الكبرى، حيث يتحد الجميع في خطة معقدة، تشبه رقصة جماعية في جحيم العالم المقلوب. هذا يعيد روح المواسم الأولى، يعزز الشعور بالرهبة أمام الشر المطلق. لكن الحبكة تتوسع كشبكة عنكبوت، خيوط كثيرة عن شخصيات ثانوية، حوارات طويلة تفسر الماضي، أو ثرثرة الشخصيات خارج سياق الموقف المتوتر، مما يبطئ الإيقاع. هذا لا يحدث فقط في مشاهد هادئة تتحمل هذا الاسترخاء الدرامي. بل وسط العواصف والانفجارات ومطاردات الوحوش، في مواقف تستدعي الخوف والتوتر واليقظة، وأصبح من العادي أن تجد الشخصيات تتأمل حياتها وتدخل في جدال أو عتاب أو حوارات جانبية وسط الخطر، كأن الشخصيات يتحاورون أثناء أوقات الراحة من لعب فيديو جيم، هم لا يكترثون حقًا بمغامرتهم المميتة، وهذا يجعل معركتهم مع الشر تبدو هزلية. النهاية، رغم عاطفيتها، تبدو متوقعة، تضحيات قليلة، حلول سهلة نسبيًا، كأن المسلسل يخشى قتل أي من أبطاله، يفضل السلام على التراجيديا الحقيقية. هذا يجعل الخاتمة مريحة لكن أقل إقناعًا.

هوكينز المحطمة
هوكينز المحطمة

ضجر إيليفن... وبكاء لا ينتهي

ميلي بوبي براون، النجمة التي حملت السلسلة على كتفيها منذ البداية، تقدم إيليفن هذه المرة كبطلة ناضجة، لكن أداؤها يبدو خافتًا وتعبيراتها تميل للضجر. تميل إلى الهدوء الذي اكتسبته الشخصية. عيونها لا تزال تحمل بريق الطفلة الخائفة، لكنها الآن تحمي الجميع بثقة أكبر، تعبيراتها متكررة بصورة تدعو للسأم: ابتسامة خفيفة، نظرة ضجر بعيدة، دموع تتدفق في اللحظات العاطفية دون تنويع كبير، كأنها عالقة في قالب لا يُمكنها التحرر منه. دورها محجّم بشكل ملحوظ لصالح الآخرين، مشاهد قوتها قليلة، مما يجعل إيليفن تبدو أقل تأثيرًا رغم حضورها في المشاهد الحاسمة.

ضجر إيليفن... وبكاء لا ينتهي
ضجر إيليفن... وبكاء لا ينتهي في Stranger Things 

نواه شناپ في دور ويل، الطفل الذي بدأ معه كل شيء، ومعه بعض أصدقائه مثل داستن ولوكاس، يغرقون في بحر من البكائيات والمواقف العاطفية المفرطة، كأن الموسم يريد أن يجعلنا نبكي مع كل حلقة. كل موقف يتحول إلى انهيار عاطفي، صراخ، عناق، كلام عن الصداقة والفقد، كأن الشخصيات نسيت أنها تقاوم شرًا مطلقًا، لا تجلس في جلسة علاج جماعي. هذا يضعف صورتهم كمقاومين، ويجعلهم يبدون هشين أكثر من اللازم، كأن السيف في أيديهم تحول إلى منديل لمسح الدموع. في مشهد ويل يبكي على ماضيه ويعترف بميوله الجنسية للجميع، يمتد طويلاً، مونولوج ركيك في ذروة توتر يسبق مواجهة قادمة، كأنه مشهد ساخر من شخصيته الدرامية وليس لحظة عاطفية.

أبطال Stranger Things
أحداث متسارعة في Stranger Things 

النجوم الثانوية تنقذ ما تبقى

على الضفة الأخرى، تتألق شخصيات بعض الأدوار المساعدة مما أعاد الحيوية للمشاهد، ووجودها أنقذ بعض الحلقات نسبيًا: سادي سينك في دور ماكس، التي عادت من غيبوبة الموسم الرابع بقوة مذهلة، أداؤها مزيج من الغضب والحنان، كأنها نار تتصاعد من تحت رماد هوكينز، تضيء كل مشهد تدخل فيه. مزاياها في التنويع: ضحكها الساخر، صراخها في المعارك، ودموعها الهادئة. هولي، الأخت الصغيرة، بأداء طفولي بريء يسرق القلوب، تضيف لمسة خفيفة وسط الظلام. وروبن (مايا هوك) في دورها الكوميدي العفوي، كلامها السريع، نكاتها الساخرة، تجعل المشاهد الجماعية تنبض بالحياة والتلقائية.

النجوم الثانوية تنقذ ما تبقى
النجوم الثانوية تنقذ ما تبقى في Stranger Things 

شخصيات داستن وجويس وهوبر تساهم في دعم الدراما دون أن تتألق بشكل خاص. أما جو كيري كستيف، فأداؤه يمزج بين الكوميديا والشجاعة، لكنه يبدو أحيانًا متكررًا، كأن دوره عالق في صورة "الأخ الكبير" دون تطور كبير. الفريق ككل يعاني من توزيع غير متساوٍ؛ بعض الأصوات تختفي في الجوقة الكبيرة، بينما أخرى تتألق، مما يجعل الموسم يشبه فرقة موسيقية حيث يغلب بعض العازفين على الآخرين، وهذا يضعف الانسجام العام رغم الكيمياء الواضحة بين الشخصيات.

 Stranger Things 
مسلسل  Stranger Things 

خطوات متعثرة في الجحيم

الأخوين مات وروس دافر، اللذين ابتكرا Stranger Things منذ البداية، يعودان في الموسم الخامس ككتاب ومخرجين لمعظم الحلقات، محافظين على تلك اللمسة الثمانينية التي جعلت السلسلة أيقونة: الإضاءة الدافئة في المنازل الريفية، الإيقاع السريع في الأكشن، واللقطات الواسعة التي تجعل هوكينز تبدو كمدينة صغيرة على حافة الهاوية. رؤيتهما الشاملة تبدو كلوحة عملاقة، يرسمان فيها كل شخصية كجزء من نسيج واحد، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في كل لقطة. مزايا الإخراج تتجلى في الدقة البصرية؛ مشاهد الأكشن مصممة كلوحات فنية حية، مثل هجوم وحوش الديموجورجونز الضخم على وسط هوكينز، حيث تتحول الشوارع إلى ساحة حرب مصغرة، مع حركة كاميرا ديناميكية تتبع الوحوش من زوايا منخفضة كأنها تنظر إلينا من أعماق الجحيم.

خطوات متعثرة في الجحيم
خطوات متعثرة في الجحيم

الإيقاع في الحلقات الافتتاحية يتسارع كقطار لا يتوقف، يبني توترًا تصاعديًا، مع انتقالات سلسة بين العالم الحقيقي والمقلوب، واستخدام الإضاءة الطبيعية لتعزيز الإحساس بالخطر الوشيك. مشهد إيليفن تستعيد قوتها في المختبر المدمر، حيث يستخدم الإخراج لقطات بطيئة الحركة مع صوت خافت يتصاعد تدريجيًا، كأن الطاقة المكبوتة تتنفس قبل الانفجار. هذا التوازن بين السرعة والتأمل يجعل المشاهد يشعر بالرهبة والإثارة معًا.

يتعثر الإخراج في منتصف الموسم، كأن الرؤية الكبيرة بدأت تفقد بعض جرأتها. ثمان حلقات طويلة (بعضها يتجاوز الساعة). مليئة بمشاهد حوارية ممتدة تفسر الماضي وتشرح دوافع فيكنا وميول روبن وويل وتنافس ستيف وجوناثان على قلب نانسي، كأن الإخراج يتردد في ساحة المعركة، والأبطال يشردون بعيدًا. هذا البطء يعطي عمقًا نفسيًا، لكنه يثقل الإيقاع، يجعل تمهيد الحلقات الحاسمة تهويدة للنوم وليس استعداد لمواجهة وحوش مرعبة.

إيقاعات مسلسل  Stranger Things 
إيقاعات مسلسل Stranger Things لا تتوقف

وحوش العالم المقلوب

المؤثرات البصرية في Stranger Things 5 تمثل قمة الإنجاز التقني للسلسلة، حيث تحولت من مجرد "وحوش في الظلام" إلى كيانات حية تتنفس الرعب. فيكنا، الشر الأعظم، لم يعد مجرد شبح أو صورة ظلية؛ هو الآن كائن مرعب يتطور، جسده يتشقق كأرض جافة تحت الشمس، عروقه الداكنة تنبض، وعيونه الحمراء تخترق الشاشة كأنها تنظر مباشرة إلى المتفرج. مزايا التصميم في التفاصيل الدقيقة: كل حركة له تبدو عضوية، الجلد المتشقق يتحرك مع كل خطوة، الصدوع في الأرض تبدو كجروح حية تنزف ضبابًا أسود، تبتلع الشوارع وتطلق منها كائنات جديدة تتحرك بسلاسة مذهلة، كأنها أطراف جسد عملاق يستيقظ.

وحوش العالم المقلوب
وحوش العالم المقلوب

العالم المقلوب نفسه أصبح أكثر عمقًا بصريًا. السماء حمراء كدم، الأرض مغطاة بأوردة سوداء تنبض، والكائنات الجديدة، مثل الـMind Flayer  المتطور، أجساد تتقلص وتتمدد كعضلات حية. هذا الإتقان يجعل كل مشهد في العالم المقلوب يشبه لوحة سريالية مرعبة، حيث يتداخل الواقعي بالخيالي.

الأكشن نفسه مبهر في تصميمه؛ معارك جماعية كبيرة، مثل هجوم الديموجورجونز والفيكنا في وسط هوكينز، مصممة كرقصة فوضوية: الكاميرا تتحرك بسرعة بين الشخصيات، الإضاءة الحمراء تخترق الدخان، والصوت يمزج بين صرخات الوحوش وأنفاس الأبطال.

مسلسل  Stranger Things 
مسلسل Stranger Things

وداع مر... ونهاية آمنة

النهاية، رغم عاطفيتها، تبدو مستعجلة نسبيًا مقارنة بالبناء الطويل. التضحيات قليلة، والحلول تأتي بسرعة، كأن الأخوين دافر قررا أن يختتما الملحمة بنهاية سعيدة دون خدش واحد. هذا يجعل الخاتمة مريحة للجمهور. لكنها تفقد بعض الجرأة التي كانت تميز المواسم الأولى، حيث كان الرعب ينتصر أحيانًا على الأمل. في النهاية، إخراج الأخوين دافر يظل رؤية كبيرة، لكن خطواته في الختام تبدو متعثرة، كأن القرار أن يلقي السيناريو بالشخصيات في أتون النار ثم يخرجهم جميعًا سالمين. هذا يبدو متكلفًا ومتوقعًا للغاية. الشخصيات الرئيسية لا تُمس، وهذا أضعف السلسلة وجعل نهايتها هشة، وكأن الشخصيات أصبحت أقوى من المسلسل ومن صُناع العمل أنفسهم.

وداع مر... ونهاية آمنة
وداع مر... ونهاية آمنة

الموسم ينتهي بإغلاق البوابات، تضحيات، ومستقبل مفتوح. مشاهد الوداع تبكي، تشعر محبي السلسلة بفقدان عالم مثير عاشوه سنوات. النهاية متوقعة ونمطية، قلة الجرأة في قتل شخصيات رئيسية في مواجهات مع الوحوش، كأن الخوف من إغضاب الجمهور حال دون تراجيديا حقيقية.

مفهوم أن المسلسل مصنوع بمنطق التسلية، وأنه خلق نسخة خيالية موازية من رعب دراما الثمانينيات الشعبي تستهدف جمهور الجيل المعاصر، وقد نجح في ذلك في المواسم الأولى، ولكن التردد الزائد لإرضاء الجمهور أفسد نهاية العمل.

الصور من حساب نتفليكس.