فيلم "Hamnet".. جيسي باكلي ترثي ابن شكسبير في قصيدة سينمائية مؤثرة
أجنيس، امرأة تقف في غابة إنجليزية قديمة، أصابعها تلامس أوراق الأشجار كأنها تقرأ مصيرًا مكتوبًا في العروق الخضراء، وفجأة يهبط صقر بري على ذراعها، ينظر إليها بعيون تعرف السر قبل البشر. هذه أجنيس، روح فيلم "Hamnet"، امرأة تحمل في داخلها قوة الطبيعة، تتزوج من شاب يدعى ويليام شكسبير، يعلم اللغة اللاتينية لكنه يبحث عن لغة أعمق للتعبير عن المشاعر. يبنيان عائلة، ثلاثة أطفال، منزل يعج بالضحك والحياة، ثم يأتي الطاعون كظل أسود يبتلع الابن هامنت، صبي في الحادية عشرة من عمره، يرحل ويترك والديه في ألم لا شفاء منه. غير شكسبير حرف من اسم ابنه الراحل وصنع منه أسطورة المسرحية التراجيدية "هاملت".
قصيدة ريفية
الفيلم إخراج كلوي تشاو وهو أحد أهم أفلام 2025، مقتبس من رواية ماجي أوفاريل، شاركت كلوي وماجي كتابة سيناريو الفيلم، شارك في إنتاجه ستيفن سبيلبرج وسام منديز، بطولة جيسي باكلي في دور أجنيس هاثاواي وبول ميسكال في دور الكاتب ويليام شكسبير الشاب، ليس مجرد قصة عن المأساة الواقعية التي ألهمت شكسبير مسرحية "هاملت"، بل تأمل في كيف يتحول الحزن الإنساني إلى فن يبقى، كأن الدموع التي سكبتها الأم تسقي بذرة تنبت شجرة عملاقة الحزن النبيل تظلل الأجيال. هو فيلم يتنفس ببطء، يجعلك تشعر بثقل كل لحظة، كأن الزمن نفسه توقف ليبكي مع الأم.

الحبكة تبدأ كقصيدة ريفية نمطية عن الحب والحياة والطبيعة: أجنيس، ابنة مزارع، تمتلك قدرات شفائية غامضة، تلتقي بويليام، الشاب الذي يهرب من العمل مع أبيه بتعليم الصغار. زواجهما سريع، مليء بالعاطفة، ثم تأتي الأطفال: سوزانا، ثم التوأم هامنت وجوديث. الحياة في ستراتفورد هادئة، مليئة بتفاصيل يومية تجعلها حقيقية: الأطفال يلعبون في الحقول، الأب يعلم ابنه الصغير المبارزة بسيوف خشبية، أجنيس تجمع الأعشاب وتصنع منها أدوية، ويليام يذهب إلى لندن ليعمل في المسرح، ويترك عائلته خلفه. ثم يأتي الطاعون، يموت هامنت في غياب الأب، ويتحول الفيلم إلى قصيدة رثاء طويلة.

بهجة الأمومة وألم الفقد
القوة في هذا البناء البسيط لسيناريو الفيلم: لا تعقيدات درامية مصطنعة، بل تركيز على المشاعر وكيف يغير الفقدان البشر. مشهد ولادة التوأم هو اللقاء الأول مع خطر الفقدان، حيث تنقذ أجنيس مولودتها جوديث بيديها، وُلدت الطفلة بلا علامة على الحياة وظنها الجميع ميتة، سلوك الأم الإيجابي ينبئ بالقوة التي ستحتاجها لاحقًا لتحمل أحزان موت هامنت. هذا التوازن بين الحياة والموت يجعل الحبكة عميقة، كأنها نهر يجري هادئًا بطيئًا ثم يتحول إلى شلال هادر من الأحزان.
الجزء الأول يطول في تصوير مظاهر السعادة العائلية، مشاهد متكررة للأطفال يلعبون في حديقة المنزل الريفي، الأم ترعى الحديقة، فرحة العائلة بعودة الأب من سفره، كأن الفيلم يقف على عتبات البهجة، يتردد في الدخول في عمق الظلام. هذا يجعل التحول إلى الحزن مفاجئًا، يشبه عاصفة مدمرة تهاجم حديقة زهور ربيعية، تتلفها دون إنذار كافٍ. مرحلة الفيلم الأولى تأمل بطيء يقترب من الركود لحياة ويليام شكسبير العائلية، هذا البطء يخدم الفكرة، يجعلنا نعيش الفقدان اللاحق بكل تفاصيله. جزء من قوة تأثير الفيلم هو جذب المتفرج إلى حياة زوجين يعانيان ألم الفقد كأنه جزء منها، يتابع حزنهما ويأمل أن يتجاوزانه.

قلب أجنيس وقلم شكسبير
جيسي باكلي هي قلب الفيلم النابض، والأقرب للحصول على أوسكار التمثيل خلال الدورة القادمة، تجسد شخصية أجنيس الزوجة والأم كامرأة من لحم ودم، مرتبطة بالأرض كأنها شجرة قديمة جذورها عميقة. أداؤها يبدأ بالحيوية: ضحكها مع الأطفال، لمساتها للأعشاب كأنها ساحرة طيبة تتحدث مع الطبيعة، ثم يتحول إلى ألم خام عند موت هامنت. في مشهد الجنازة، تصرخ صرخة صامتة، عيونها مليئة بدموع لا تسقط، كأنها تحمل بحرًا من الألم داخلها. مزاياها في الصدق العميق؛ لا مبالغة، بل أداء يشبه الواقع، يجعل المتفرج يشعر بثقل كل دمعة.

أثناء حضورها عرض مسرحية "هاملت" في لندن، ترى ابنها في الممثل الشاب، وجهها يتجمد، ثم تنفجر في بكاء هادئ. هذا التحول يظهر براعتها في تحول الألم الشخصي إلى تعاطف عام. بعض مشاهد الحزن تبدو مكررة، كأن الفيلم يعيد تأكيد حزنها دون إضافة جديدة، لكن هذا يعكس طبيعة الحزن نفسه، موجات متكررة لا تنتهي.
بول ميسكال يقدم ويليام شكسبير كرجل عادي، ليس العبقري الأسطوري، بل أب يعاني، زوج يبتعد ليواجه ألمه في صمت. أداؤه هادئ، يعتمد على النظرات والصمت، كأن كلماته محبوسة حتى يطلقها في المسرح. في مشاهد لندن، يظهر الصراع: ينجح في الكتابة لكنه يفقد التواصل مع عائلته. ميسكال يقدم نموذجًا للتواضع؛ يُدرك أن الفيلم يتحيز لحزن الأم، لا يحاول سرقة الأضواء، بل يدعم جيسي باكلي، يجعل من علاقة الزوجين ثنائيًا حقيقيًا.

باب الحياة
المخرجة كلوي تشاو، الفائزة بأوسكار السيناريو والإخراج عن فيلم "Nomadland" 2021، تحول الريف الإنجليزي إلى لوحة حية، لقطات واسعة للغابات، الحقول، الأنهار، كأن الطبيعة تشارك في سرد الحكاية. مدير التصوير لوكاش زال يستخدم ضوءًا طبيعيًا، ألوان دافئة في البداية ثم باردة بعد الفقدان.
كل لقطة تخدم المود العاطفي، مثل مشهد أجنيس تتجول في الغابة بعد الموت، الأشجار تبدو كأنها تبكي معها، أوراقها تتساقط كدموع. تمثل الغابة بجمال أوراقها الخضراء وقوتها وسحرها الحياة، وعُمقها المظلم يرمز للموت والألم والمصير الغامض، هذا ما يستلهمه شكسبير في ديكور المسرحية، حيث يتوسط خلفية الغابة الخضراء باب مظلم يظهر منه شبح والد هاملت. تتكرر لقطات البوابة وحفرة في الأرض بالغابة في مشاهد الفيلم كرمز للدخول والخروج من الحياة، كأنه فتحة الكالوس بلغة المسرح، مكان دخول وخروج الممثلين.

البطء يبدو مرهقًا أحيانًا، لقطات طويلة للمناظر دون حوار، تبدو كتأمل فلسفي يطيل الفيلم (حوالي ساعتين ونصف)، هذا البطء مقصود، يجعلنا نعيش الزمن كما عاشته أجنيس، يومًا بيومًا في الفراغ. الموسيقى رقيقة، أوتار تئن كريح في الأشجار، تعزز التوتر دون سيطرة، مزاياها في الاندماج مع مشاهد العمل، عيوبها في الخفوت أحيانًا، تترك الصمت يسيطر، ثم تأتي مقطوعة ماكس ريختر الشهيرة "On the Nature of Daylight" لتمنح مشاهد النهاية الطويلة زخم وجداني عميق، والمقطوعة واحدة من تراكات ألبوم عنوانه "The Blue Notebooks" ألفه ريختر عام 2003 كاحتجاج موسيقي على غزو العراق.

حرف واحد
في مشهد كتابته مسرحية "هاملت"، يجلس شكسبير وحيدًا، يهمس الأسماء، يحول اسم ابنه "هامنت" إلى عنوانًا للمسرحية، يغير حرفًا واحدًا من الاسم الحقيقي ليصبح العنوان "هاملت"، دموعه تسقط على الورق. هذا يظهر عمق ألمه. دوره أقل حضورًا في النصف الثاني، يبدو غائبًا جسديًا، كأن الفيلم يركز على الأم أكثر، مما يجعل التوازن بين الوالدين غير متكافئ قليلاً.
فالفيلم يركز على الأم، يجعلنا نتعاطف مع الفقدان الأنثوي. مزاياه في العمق العاطفي، يجعلك تبكي ثم تفكر. عيوبه في الإيقاع البطيء، لكنه يخدم الرسالة: الحزن لا يُمكن استعجاله. المتفرج في العادة يهرب من الأفلام الثقيلة عاطفيًا، يتململ ويشعر بالتوتر حينما ينتقل من حالة الراحة الدرامية الهادئة والترفيه الخالص إلى مناطق الأحزان الثقيلة، في العادة نُشاهد الأفلام للهروب من الواقع وألامه، لكن فيلم "Hamnet" ينجح في جرنا إلى المأساة بعفوية، وإغراقنا بمشاعر الحزن النبيل، حيث التعاطف مع جمال الطرح السينمائي الإنساني
