الشيف مياسم أدهم

خاص لـ"هي": الشيف مياسم أدهم تروي رحلتها من المطابخ العالمية إلى تأسيس The Saudi Pantry

21 يونيو 2026

يُعد الطعام جزءًا أساسيًا من ثقافة الشعوب وهويتها، فهو لا يعبر عن النكهات والمكونات فحسب، بل يحمل في تفاصيله قصصًا ترتبط بالمكان والذاكرة والعادات المتوارثة عبر الأجيال. ومن خلال الأطباق التقليدية والمكونات المحلية، يمكن قراءة جانب من تاريخ المجتمعات وفهم علاقتها ببيئتها وثقافتها.

ومن هذا المفهوم انطلقت الشيف السعودية مياسم أدهم، التي وُلدت ونشأت في لندن، حيث بدأت علاقتها بالطعام منذ الصغر من خلال الضيافة السعودية والنكهات الحاضرة في منزل العائلة.

“عندما تكون روح الطبق حاضرة، يبقى هناك مجال للإبداع.”
“عندما تكون روح الطبق حاضرة، يبقى هناك مجال للإبداع.”

وبينما كانت تدرس العلوم الطبية الحيوية، اتخذت أولى خطواتها المهنية في عالم الطهي، لتبدأ بعدها رحلة امتدت لأكثر من سبع سنوات في عدد من أبرز المطابخ العالمية، من بينها Chotto Matte London وNobu London وClaridge’s Hotel وGAIA Mayfair.

ومع تراكم هذه الخبرات، نشأت لديها رغبة في تقديم مشروع يعكس هويتها السعودية وتجربتها الشخصية، لتؤسس لاحقًا مشروع The Saudi Pantry الذي يجمع بين التقنيات العالمية والمكونات والنكهات السعودية برؤية معاصرة تحافظ على أصالتها.

وفي لقاء خاص مع "هي"، تتحدث مياسم عن رحلتها المهنية بين لندن والسعودية، وتأثير العمل في المطابخ العالمية على أسلوبها في الطهي، وشغفها بتقديم المطبخ السعودي بطريقة حديثة تحافظ على أصالته، إلى جانب رؤيتها للعلاقة بين الطعام والثقافة، وأهمية نقل القصص والتراث من خلال الأطباق والمكونات المحلية.

“أحب الأطباق التي تروي قصة من خلال مكوناتها.”
“أحب الأطباق التي تروي قصة من خلال مكوناتها.”
  • كيف أثّرت تجربتك في لندن والعمل مع مطاعم وفنادق عالمية على أسلوبك في الطهي؟

لندن مدينة متعددة الثقافات، والعمل فيها أتاح لي التعرف على مطابخ وأساليب مختلفة من أنحاء العالم. هذه التجارب علمتني أهمية الدقة والاهتمام بالتفاصيل واحترام جودة المكونات. كما ساعدتني على النظر إلى المطبخ السعودي من زاوية جديدة؛ ليس فقط كتراث نحافظ عليه، كمطبخ غني يمكن تطويره وتقديمه بطرق حديثة دون أن يفقد هويته.

  • ما الذي دفعك للعودة إلى الجذور والتركيز على الهوية السعودية في مشروعك؟

كلما تعمقت في العمل بالمطابخ العالمية، ازداد تقديري للمطبخ السعودي. أدركت أن لدينا مكونات ونكهات وقصصًا تستحق أن تُروى للعالم. شعرت بمسؤولية شخصية تجاه تقديم هذا الإرث بصورة تليق به، خاصة أنني نشأت بين ثقافتين؛ السعودية والبريطانية. The Saudi Pantry هو انعكاس لهذه الرحلة ومحاولة لخلق جسر بينهما.

  • كيف تحاولين تقديم المكونات والنكهات السعودية بطريقة معاصرة تناسب الذوق العالمي؟

أحب أن أبدأ دائمًا من المكوّن نفسه وما يحمله من قصة وهوية. أفكّر في كيفية تقديمه بطريقة جديدة ومألوفة للجمهور العالمي مع الحفاظ على روحه الأصلية. لذلك قد يظهر التمر أو القهوة السعودية أو اللومي في أطباق وحلويات معاصرة تحمل نكهات مألوفة وتفاصيل مستوحاة من جذورها. أرى أن الحداثة لا تعني الابتعاد عن التراث، وإنما إيجاد طرق جديدة للاحتفاء به وتقديمه لجمهور أوسع.

“أحرص أولًا على فهم أصل الطبق وقصته قبل التفكير في تطويره.”
“أحرص أولًا على فهم أصل الطبق وقصته قبل التفكير في تطويره.”
  • ما أكثر درس تعلمته من العمل في المطابخ العالمية ولا يزال يرافقك حتى اليوم؟

أن البساطة المدروسة أقوى من التعقيد. تعلمت أن جودة المكونات والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة يصنعان الفرق الحقيقي. كما تعلمت أهمية الانضباط والعمل الجماعي، وهي مبادئ ما زالت تؤثر في طريقة عملي اليومية وفي بناء مشروعي الخاص.

  • كيف تصفين العلاقة بين الطعام والهوية والثقافة بالنسبة لك؟

الطعام أحد أكثر أشكال التعبير الثقافي صدقًا. من خلال طبق واحد يمكن أن نفهم تاريخ مجتمع وعاداته وبيئته وقيمه. بالنسبة لي، الطعام ليس مجرد نكهات، الطعام وسيلة للحفاظ على الذاكرة ونقل القصص بين الأجيال، ولذلك أرى أن الطهي يحمل مسؤولية ثقافية بقدر ما يحمل جانبًا إبداعيًا.

  • هل ترين أن المطبخ السعودي اليوم يعيش مرحلة تطور وتغيير؟ وكيف تلاحظين ذلك؟

بالتأكيد. نشهد اليوم اهتمامًا متزايدًا بالمكونات المحلية والوصفات التراثية، إلى جانب ظهور جيل جديد من الطهاة الذين يقدمون المطبخ السعودي بأساليب مبتكرة. الجميل في هذه المرحلة أنها لا تقوم على استبدال التراث، بل على إعادة اكتشافه وتقديمه بثقة أكبر للعالم، وهو ما يجعل المطبخ السعودي حاضرًا بشكل متزايد على الساحة الدولية.

“الطعام ليس فقط ما نأكله، بل ما نتذكره.”
“الطعام ليس فقط ما نأكله، بل ما نتذكره.”
  • ما أكثر طبق أو نكهة سعودية تشعرين بأنها تعبّر عنك شخصيًا؟ ولماذا؟

أعتقد أن اللومي هو المكوّن الذي يعبّر عني أكثر. أحب كيف أنه يحمل تناقضًا جميلًا؛ فيه حدة وحموضة وعمق في الوقت نفسه. اللومي مكوّن متجذر في المطبخ الخليجي، لكنه أيضًا مرن جدًا ويمكن تقديمه بطرق حديثة وغير متوقعة.

وهذا يشبه رحلتي المهنية إلى حد كبير؛ جذور سعودية واضحة، لكن مع تأثيرات وتجارب اكتسبتها من العمل في مطابخ عالمية مختلفة. أحب استخدامه في الأطباق الحلوة والمالحة لأنه يضيف طبقة من التعقيد ويحكي قصة عن المكان والهوية دون أن يكون مباشرًا أو متوقعًا.

  • كيف تحافظين على التوازن بين الإبداع واحترام التراث عند تطوير أطباق جديدة؟

أحرص أولًا على فهم أصل الطبق وقصته وسياقه الثقافي قبل التفكير في تطويره. عندما تكون الجذور واضحة، يصبح الابتكار امتدادًا طبيعيًا لها وليس خروجًا عنها. أسأل نفسي دائمًا: هل ما زالت روح الطبق حاضرة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأشعر أن هناك مساحة للإبداع دون فقدان الهوية.

“الطعام ليس مجرد نكهات، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة ونقل القصص بين الأجيال.”
“الطعام ليس مجرد نكهات، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة ونقل القصص بين الأجيال.”
  • لو طُلب منكِ تقديم طبق واحد فقط يختصر رحلتك وهويتك وتجاربك حول العالم… ماذا سيكون؟ ولماذا؟

أعود دائمًا إلى كيك التمر بالتوفي المعطّر بشاي الإيرل غراي الإنجليزي. يجمع الطبق بين مكوّنين يحملان معنى خاصًا بالنسبة لي؛ التمر المرتبط بجذوري السعودية، والإيرل غراي الذي يذكّرني بلندن حيث نشأت.

والشاي هنا ليس مجرد إضافة، فهو يُنقع داخل الكيك ليمنحه نكهته المميزة وعمقه العطري. أحب الأطباق التي تروي قصة من خلال مكوّناتها، وهذا الطبق يعكس جانبًا كبيرًا من هويتي وتجربتي.