خاص "هي": المائدة كمرآة إمبراطورية.. كيف تروي فيينا قصتها عبر الطعام؟
في العاصمة النمساوية، فيينا، يمكن قراءة المدينة من خلال أطباقها كما يمكن قراءتها من خلال قصورها. خلال رحلتنا الخاصة في "هي" إلى العاصمة النمساوية، لم يكن الهدف اكتشاف مطاعم جديدة بقدر ما كان محاولة لفهم كيف تعرّف هذه المدينة نفسها عبر المائدة.

فالمطبخ الفيينّي ليس تفصيلاً سياحيًا ولا قطاعًا ترفيهيًا، بل هو نتاج بنية تاريخية واجتماعية متراكمة تعود إلى زمن كانت فيه فيينا عاصمة لإحدى أكبر الإمبراطوريات الأوروبية. الطعام هنا ليس مجرد استهلاك، بل تعبير عن السلطة، والاقتصاد، والتحوّل الاجتماعي.

إمبراطورية على الطبق
لفهم المطبخ الفيينّي، يجب العودة إلى الإمبراطورية النمساوية-المجرية. ففيينا لم تكن مدينة متجانسة ثقافيًا، بل مركزًا إداريًا يجمع شعوبًا متعددة. هذا التنوع انعكس مباشرة على المائدة.
"الشنِتزل"، "الغولاش"، الفطائر المحشوة، أطباق العجين، الصلصات، كلها تحمل أثرًا جغرافيًا متنوعًا. لكن فيينا لم تكتفِ باستيراد هذه الأطباق، بل أعادت تنظيمها ضمن نظام ذوقي موحّد، جعل من المطبخ الفيينّي هوية قائمة بذاتها. من هنا تأتي أهميته: هو مطبخ يعكس إدارة إمبراطورية، لا مجرد وصفات منزلية.

في Gasthaus Wolf، حيث تُقدَّم أطباق تقليدية لأصحاب القلوب القوية، لا نشاهد مجرد خيار طهوي جريء، بل أثرًا مباشرًا لاقتصاد تاريخي قائم على الإدارة الدقيقة للموارد. في المجتمعات الإمبراطورية الكبرى، كان الطعام يعكس الطبقة. اللحوم الفاخرة كانت للنخبة، بينما كانت الأجزاء الأقل قيمة تُستخدم بذكاء في مطابخ الطبقات الوسطى. مع الزمن، تحوّلت هذه الأطباق من ضرورة اقتصادية إلى تقليد راسخ. هذا التحول مهم اجتماعيًا. فهو يُظهر كيف يمكن للهوية أن تُبنى من القاعدة، لا من القمة. اليوم، حين تختار مطاعم فيينا الحفاظ على هذه الأطباق، فهي لا تمارس الحنين، بل تؤكد استمرارية بنية اجتماعية تشكّلت عبر قرون.
Zur Herknerin: المطبخ كذاكرة عائلية حيّة

إذا كان Gasthaus Wolf يكشف عن البنية التاريخية للمطبخ الفيينّي، فإن Zur Herknerin يكشف عن بُعده الاجتماعي الأكثر حميمية. المطعم الذي تديره Stefanie Herkner ليس مشروعًا فرديًا، بل امتدادًا لسلسلة مهنية وعائلية. اسم المكان يعود إلى مطعم والدها “Zum Herkner”، أحد أبرز الطهاة في المدينة، ما يجعل التجربة أقرب إلى انتقال معرفة بين جيلين، لا إلى ابتكار تجاري. اللافت هنا ليس فقط تحضير Grießnockerl أو Topfenknödel، بل الطريقة التي تُقدَّم بها هذه الأطباق. لا يوجد ادعاء بالحداثة الصادمة، ولا محاولة لتفكيك التراث. بل هناك وعي واضح بأن المطبخ الفيينّي قائم على الاستمرارية.
في سياق اجتماعي أوسع، تمثّل Zur Herknerin نموذجًا لما يمكن تسميته “البرجوازية المهنية” في فيينا طبقة وسطى متعلمة، تعتز بالحرفة، وتحافظ على التقاليد دون أن تُحوّلها إلى متحف. هذا البعد مهم لفهم المدينة: فيينا لا تبني هويتها الغذائية على القصور فقط، بل على البيوت.
Hotel Sacher: الفخامة كرمز رسمي

على الطرف الآخر من المشهد، يقف Hotel Sacher كواحد من أكثر الرموز وضوحًا للفخامة الإمبراطورية المستمرة. افتتح الفندق عام 1876، وبقي منذ ذلك الحين جزءًا من المشهد السياسي والثقافي للمدينة.
ليس مجرد مكان إقامة، بل مؤسسة تعكس تصورًا نمساويًا محددًا للترف: أناقة منضبطة، فخامة غير صاخبة، واستمرارية تقليدية. داخل Blaue Bar، الأزرق الملكي ليس اختيارًا جماليًا عابرًا، بل استدعاء مباشر للرمزية الإمبراطورية. الثريات الكريستالية، السقوف العالية، والمفروشات الثقيلة تعيد إنتاج صورة فيينا كما أرادت أن تُرى في القرن التاسع عشر عاصمة للثقافة الأوروبية، لا للضجيج. حتى “Sacher Torte”، التي ارتبط اسم الفندق بها عالميًا، تمثل مثالًا واضحًا على كيفية تحوّل منتج بسيط إلى رمز وطني. الكيك هنا ليس مجرد حلوى، بل علامة تجارية ثقافية. من منظور اجتماعي، يمثل Hotel Sacher استمرارية النخبة ليس كنظام سياسي، بل كذوق عام. الفخامة في فيينا لا تعني الانفصال عن المجتمع، لكنها تحافظ على مسافة جمالية مدروسة.

البرجوازية والمقهى: اختراع الفضاء العام
إذا كان المطبخ يعكس الإمبراطورية، فإن المقاهي تعكس صعود الطبقة البرجوازية. في القرن التاسع عشر، تحوّلت مقاهي فيينا إلى فضاءات عامة للنقاش، والكتابة، والعمل. لم تكن أماكن للترفيه فحسب، بل مختبرات فكرية. سيغموند فرويد، غوستاف كليمت، وستيفان تسفايغ جميعهم ارتبطوا بثقافة المقهى.
في Café Prückel، الذي حافظ على تصميمه منذ خمسينيات القرن الماضي، يمكن رؤية هذا الإرث بوضوح. الطاولات الرخامية ليست مجرد تصميم كلاسيكي، بل استمرار لفكرة أن الجلوس الطويل مشروع ثقافي.

إدراج ثقافة المقاهي الفيينّية ضمن قائمة التراث غير المادي لليونسكو ليس تكريمًا للديكور، بل اعتراف بدورها في تشكيل المجال العام. فيينا اخترعت نوعًا من “الفضاء المدني الهادئ” حيث يمكن للناس أن يجلسوا دون ضغط الاستهلاك السريع.
Tafelkultur: الطاولة كرمز للطبقة
في زيارة مشغل Jarosinski & Vaugoin، يتضح أن ثقافة المائدة في فيينا ليست سطحية. في المجتمعات الإمبراطورية، كان ترتيب الطاولة جزءًا من نظام طبقي واضح. نوع الفضة، عدد الشوك، ترتيب الكؤوس: كلها رموز .

اليوم، حين تُصنع أدوات المائدة يدويًا وتُستخدم في مناسبات رسمية، فإن الأمر يتجاوز الجماليات. إنه استمرارية لوعي اجتماعي يرى في الضيافة شكلًا من أشكال التمثيل. الطاولة ليست مكانًا لتناول الطعام فقط، بل منصة لعرض الذوق، والانضباط، والانتماء الطبقي.

السوق كديمقراطية يومية
في Naschmarkt، يختلط التاريخ باليومي. السوق، الذي نشأ في القرن السادس عشر، كان في الأصل مركزًا لتجارة الحليب ومنتجاته. مع الزمن، توسّع ليصبح مساحة تجارية متعددة الثقافات. هنا نرى وجهًا مختلفًا من فيينا: ليس الأرستقراطي، بل المدني. السوق مساحة تلتقي فيها الطبقات، ويُمارس فيها التفاوض، ويُبنى فيها الذوق من الأسفل إلى الأعلى. الاهتمام بالموسمية والمنتجات المحلية ليس نزعة بيئية معاصرة فحسب، بل امتداد لمنطق قديم يربط بين المدينة وريفها.

الحداثة المنضبطة: التغيير دون صدمة
في Rosi Beisl، حيث يُعاد تفسير البيسل التقليدي عبر مطبخ نباتي، وفي kein&low، حيث تُعاد صياغة مفهوم المتعة في المشروبات الخالية من الكحول، يظهر جانب مهم من المجتمع الفيينّي المعاصر: التغيير الهادئ.

المدينة لا تتبنّى الاتجاهات العالمية بطريقة صاخبة، بل تمتصّها وتعيد صياغتها ضمن إيقاعها الخاص. لا توجد قطيعة فجائية مع الماضي، بل تعديل تدريجي. هذا النمط يعكس ثقافة تميل إلى الاستقرار، وتفضّل التراكم على الثورة.
Zum Schwarzen Kameel: المدينة كمساحة لقاء
في قلب الحي الأول، حيث تتجاور المتاجر الفاخرة مع المباني التاريخية، يقف Zum Schwarzen Kameel كمؤسسة فيينية بامتياز. تأسس في القرن السابع عشر، ما يجعله أحد أقدم المطاعم في المدينة، لكنه لم يتحوّل إلى أثر سياحي جامد.

الطابق الأرضي، حيث تُقدَّم السندويشات المفتوحة الشهيرة، يعكس تقليدًا حضريًا فيينيًا واضحًا: الطعام كجزء من الحياة اليومية الراقية. السندويشات ليست مجرد وجبة خفيفة، بل ممارسة اجتماعية وقفة قصيرة، محادثة سريعة، كأس نبيذ، ثم استمرار الحركة. في الطابق العلوي، يتحول المكان إلى مطعم كلاسيكي يقدم المطبخ الفيينّي التقليدي بصيغة متزنة. هذا الانتقال بين الطابقين ليس مجرد توزيع وظيفي، بل يعكس طبقات المدينة نفسها: اليومي في الأسفل، الرسمي في الأعلى.
Zum Schwarzen Kameel يمثل فيينا البرجوازية المدينة التجارية التي عاشت بين القصر والسوق، بين السلطة والطبقة الوسطى الصاعدة.

الطعام في الفن: إعادة إنتاج المعنى
في Kunsthistorisches Museum، يظهر الطعام في اللوحات الأوروبية كرمز للثراء أو التقوى أو الفساد الأخلاقي أحيانًا. الوليمة لم تكن مجرد حدث يومي، بل بيانًا سياسيًا وأخلاقيًا. حين ننظر إلى هذا الإرث الفني في سياق المطبخ الفيينّي، ندرك أن العلاقة بين الطعام والسلطة لم تختفِ، بل تحوّلت.

حتى في المطاعم الحديثة مثل Restaurant Doubek صاحب نجمتَي ميشلان، حيث يُطهى الطعام على نار مفتوحة فقط، هناك عودة إلى “الأصل” كخيار واعٍ، لا كحنين. النار، أقدم أدوات الطهي، تتحوّل إلى موقف فلسفي: تقليل الوسيط بين الإنسان والمادة.

الزمن كقيمة اجتماعية ما يجمع كل هذه المحطات ليس النكهة، بل الزمن. في فيينا، الوجبة لا تُضغط بين مواعيد. القهوة لا تُشرب واقفًا. السوق لا يُزار بعجلة. هذا الإيقاع يعكس تصورًا مختلفًا للرفاهية. ليست في الاستهلاك المكثف، بل في توزيع الوقت. وتبدو فيينا كمدينة ما زالت تؤمن بأن البطء ليس ضعفًا، بل شكلًا من أشكال السيادة على الحياة.

من البيسل التقليدي إلى مطعم ميشلان، من السوق الشعبي إلى مشغل الفضة، من المقهى التاريخي إلى المتحف، تتشكل صورة مدينة تحافظ على توازن دقيق بين الماضي والحاضر. فيينا لا تقدّم نفسها كمدينة “مبتكرة” بالمعنى التسويقي، بل كمدينة تعرف إيقاعها.
ومن خلال الطعام، يمكن فهم هذا الإيقاع بوضوح. المائدة هنا ليست مساحة لتناول الطعام فقط. بل مرآة لتاريخ طويل من التفاوض بين السلطة والطبقة، بين الريف والمدينة، بين التقليد والتجديد. وهذا ما يجعل فيينا، في زمن التسارع العالمي، حالة ثقافية تستحق التأمل.