نظرة معمّقة على "حقّ الليلة".. موروث ثقافي يربط الماضي بالحاضر
يبقى حقّ الليلة من أكثر المناسبات قرباً إلى قلوب الجميع، لما يحمله من ذكريات جميلة عن الماضي، حين كان الأطفال يجتمعون مساءً بملابسهم الإماراتية التقليدية؛ فيرتدي الأولاد الكندورة، بينما ترتدي البنات الثوب المطرّز. ويحمل الأحبّة الصغار أكياساً قماشية صغيرة، بينما تصدح أصوات الأهازيج الشعبية بنفس الحماس الذي رافقها عبر الأجيال، ما يرسّخ ألق هذه الاحتفالات كتقليد حيّ يُواصل رسم تجارب الطفولة اليوم.
وما يزال حقّ الليلة حاضراً في يومنا هذا، حيث تستمرّ الاحتفالات في ليلة الخامس عشر من شعبان من كل عام ترقّباً لحلول شهر رمضان المبارك. وتنبع أهمية هذه المناسبة مما تحمله من قيم أصيلة متجذّرة في الثقافة الإماراتية، مثل الكرم، وتعزيز روح الانتماء، والترابط الاجتماعي، وذلك بهدف غرس هذه المعاني في نفوس الأطفال ضمن أجواء مليئة بالبهجة.

شكّل حقّ الليلة في الماضي انعكاساً لطبيعة الحياة اليومية في الأحياء الشعبية مثل حيّ الفريج؛ إذ كانت الروابط الاجتماعية القوية تجمع السكان، فيتنقّل الأطفال من بيت إلى آخر وهم ينشدون الأهازيج، وتقدّم لهم العائلات التمر والمكسرات والحلويات المنزلية، ليبقى حقّ الليلة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بجوهر العلاقات الاجتماعية وصدق المشاعر.
ولطالما كان العطاء من أهم قيم حقّ الليلة، فسعادة الأطفال بمشاركة الحلوى مع غيرهم تعادل سعادتهم بالمفاجآت التي يحصلون عليها مع كل زيارة لبيت جديد، لذلك كان الاحتفال يمتدّ ليشمل المجتمع بأكمله، وأصبح فرصة يتشارك فيها الجميع الفرح والسرور.

وفي وقتنا الحاضر، تطور الاحتفال بحقّ الليلة كنتيجة طبيعية للتطور الكبير الذي شهدته دبي، ولم يعد مقتصراً على الأحياء الشعبية، بل أصبح ينظم في المدارس والأماكن ذات الأهمية الثقافية والمساحات العامة، وهو ما ساهم في الاحتفال بهذا التقليد على نطاق أوسع، مع الحفاظ على ما يحمله من معاني وقيم.
ويجسّد حقّ الليلة اليوم جسراً بين الماضي والحاضر، مهما تعددت وتطورت أشكال الاحتفال فيه، إلا أن الهدف منه ما يزال واحداً، فاليوم نسمع الأهازيج نفسها، وأطفالنا يجمعون الحلوى ويحتفلون كما فعل آباؤهم من قبل، بينما اتسعت رقعة الاحتفال لتشمل المتاحف والمنتزهات والمراكز التجارية والمناطق السكنية.

وتظهر هذه الاستمرارية حتى في الحلويات المتبادلة اليوم؛ فبعد أن كانت بسيطة ومنزلية الصنع، أصبحت ترافقها أصناف أكثر تنوّعاً، إلا أنّ التمر والمكسرات والحلويات التقليدية لا تزال تشكّل الأساس في هذا التقليد الذي شهد تطوّراً كبيراً دون أن يفقد هويته أو معناه.
وتشكّل الأهازيج التراثية مثل «عطونا الله يعطيكم، بيت مكة يوديكم»، و«جدام بيتكم وادي، والخير كله ينادي» جزءاً لا يتجزأ من حق الليلة؛ إذ توارثتها الأجيال لتضفي على هذه المناسبة مزيداً من الألق، ولتؤكّد أن قيم الكرم والعطاء تمثّل أساس التماسك في المجتمعات. كما شكّلت هذه الأهازيج وسيلة لتعليم الأطفال هذه القيم منذ سن مبكرة، فينشأون على حبّ الآخرين، ويترقّبون شهر رمضان الكريم بفرح وسرور.

ويبقى حقّ الليلة مناسبة مميّزة تجمع الكبار والصغار؛ فهي فترة استثنائية تعيد للأجداد ذكريات طفولتهم وهم يشاهدون أحفادهم يحتفلون بأسلوب يواكب الحاضر. فهذا هو معنى حق الليلة: عندما يلتفّ الجميع لتبادل القصص والذكريات، ويعيشون معاً لحظات مميّزة تنتقل من جيل إلى جيل بصورة تلقائية. ومع كل عام، تتجدّد هذه اللحظات لتصنع ذكريات جديدة لا تقل دفئاً عن ذكريات الماضي.
ونجد في استمرارية الاحتفال بحقّ الليلة حتى اليوم دليلاً على تمسّك المجتمع الإماراتي بهويته عاماً بعد عام، وقدرته على التكيّف مع المتغيّرات مع الحفاظ على جوهر تقاليده. إذ لا يجب النظر للتقاليد على أنها ذكريات، بل يجب أن تبقى جزءاً حيّاً من الثقافة اليومية.

وتلبّي المناسبة أيضا حاجة إنسانية أساسية، وهي الرغبة في التواصل والعطاء والإحساس بالانتماء. فمهما تغيّرت وتطورت أشكال الاحتفال، يبقى الجوهر واحداً، ويضيف كلّ جيل بصمته الخاصة ليظلّ هذا التقليد معاصراً وشاملاً ومتجذّراً بعمق في المجتمع. وهذا ما يمنحه القدرة على الاستمرار عبر الزمن دون أن يفقد روحه.
ويأتي حقّ الليلة اليوم ضمن الإطار الأوسع لموسم "الوُلفة" الذي يضمّ باقة من الفعاليات الثقافية عبر ثلاث محطات رئيسية، تبدأ بحقّ الليلة في دبي، مروراً برمضان في دبي، وصولاً إلى العيد في دبي. وتشكل هذه المحطات مجتمعة تجارب متكاملة تعكس قيمة هذه المناسبات، وتحافظ عليها كمساحات حيّة لتعزيز الأواصر الاجتماعية من خلال تجارب ملموسة ومشاركة وجدانية بين أفراد المجتمع.
