فيلم هجرة للمخرجة شهد أمين

خاص "هي" رسالة مهرجان فينيسا 2025- فيلم "هجرة" لشهد أمين.. ثلاث نساء على الطريق

أندرو محسن
30 أغسطس 2025

تعود المخرجة شهد أمين إلى مهرجان البندقية (فينيسا) السينمائي بعد عدة سنوات من عرض فيلمها الطويل الأول "سيدة البحر" (2019) في المهرجان نفسه، فيلم ”هجرة“ هو ثاني أفلام شهد الطويلة، ويُعرض ضمن قسم سبوت لايت. رغم الاختلاف الواضح شكليًا بين الفيلمين، ولكن لا يزال صوت المخرجة جليًا ويؤكد أن هناك هم ما تحمله المخرجة وتحاول التعبيرعنه في أعمالها.

الفيلم الذي يعد أول الأفلام السعودية الطويلة المشاركة في أحد المهرجانات الكبرى لهذا العام، تنطلق أحداثه داخل المملكة في الطريق إلى مكة أثناء موسم الحج، إذ نتابع الجدة (خيرية نظمي) أو سِتَي كما تدعوها حفيدتها في رحلة للحج مع حفيدتيها سارة وجنة (لَمار فادن)، لكن سريعًا ما تتحول هذه المراسم التي من المفترض ألا تحمل أية مفاجآت إلى رحلة طويل للبحث عن سارة التي اختفت فجأة.

صناع فيلم هجر
صناع فيلم هجر

تستخدم مخرجة ومؤلفة الفيلم نوع أفلام الطريق لسرد حكايتها، وهو النوع الذي يظهر بشكل أكبر في الأفلام الأمريكية، وإن كانت بعض التجارب العربية قدمته، وكما يبدو من اسمه، ففي هذا النوع تخوض الشخصية الرئيسية رحلة من مكان إلى آخر تتوقف خلالها في عدة محطات، وعادة ما ينتهي بها الأمر إلى تغير كبير في شخصيتها وربما أهدافها أيضًا.

لا يكتفي الفيلم بتقديم بطلة واحدة وإنما اثتنين، أو ثلاثة لو أردنا الدقة. البطلتين الأساسيتين هما الجدة وجنة  بينما سارة تظهر قليلًا على الشاشة، ولكن تحتفظ بتأثيرها على الأحداث خلال مدة الفيلم كلها. تأخذ شهد أمين نوع ”الطريق“ وتستخدمه بشكل حرفي ومجازي، فبينما نشاهد رحلة ستي وجنة خلال المدن في المختلفة من المملكة فإننا نشاهد التحولات التي تمر بطباع ومصائر الثلاثة.

قصة فيلم هجرة
قصة فيلم هجرة 

سارة هي مراهقة متمردة كما أغلب المراهقات، ويبدو هذا عليها منذ ظهورها، والتمرد هنا يأتي على مستويين، الأول في بيتها وأسرتها إذ ترغب في كسر سيطرتها عليها، والثاني وهو الأصعب ما يتعلق بالمجتمع نفسه، وهو ما تعرضه المخرجة في مشاهد البداية بشكل واضح، إذ تنظر جميع الفتيات الأخريات لسارة بنظرة رافضة، لأنها تستمع إلى الأغاني ولا تبدو "مثلهن".

ثم تأتي شخصية "ستّي" الأكثر صلابة ومقاومة للتغير، ليس فقط بحكم سنها ولكن لأنها مرت بالكثير بالفعل خلال حياتها وهو ما ينعكس على سلوكها، فهي أقرب للمثالية، لا تحب المواربة أو الخداع، ولكن خلف هذا المظهر الصلب هناك سر كبير تخفيه. لما كانت الجدة هي الشخصية الأكثر ثباتًا، فإن الفيلم يضعها في اختبار أخلاقي صعب، بين الالتزام بمبادئها حتى النهاية أو محاولة الالتفاف حولها دون كسرها من أجل الوصول لنهاية أفضل.

شهد أمين وبطلة فيلم هجرة في فينيسيا
شهد أمين وبطلة فيلم هجرة في فينيسيا

وأخيرًا لدينا جنة، أصغر الشخصيات الثلاثة، الطفلة التي على أعتاب المراهقة، والتي تمثل حلقة وصل ما بين عالمين، فهي مطيعة وملتزمة بقوانين ومبادئ جدتها، ولكنها تميل أيضًا إلى شخصية أختها حتى لو كان هذا الميل يبدو في محاولتها الاستماع إلى الأغاني مثلها. تمنح المخرجة أكبر محطات للتغير لشخصية جنة. اختيار المرحلة السنية هو اختيار ذكي منذ البداية، فعلى عكس أختها المراهقة، جنة لا زالت تستكشف العالم، تنظر إليه من منظار الكبار تارة ومن منظار الشابة المتمردة تارة أخرى، تحاول أن تلتزم بالقوانين والأعراف المجتمعية والأسرية، ولكنها تكسرها في حالة رأت أن كسرها هو ما يحقق نتيجة أفضل، سواء لها أو لمن حولها.

في هذه النماذج الثلاثة تقدم المخرجة نظرة ثاقبة على ما تمر به النساء السعوديات بأشكال مختلفة، نتيجة الضغوط من الأهل أو القواعد المحيطة، ومن أفضل ما قدمته أنها لم تتوقف فقط عند الرجال الذين يضعون هذه القيود ولكن عند رضا بعض النساء بها ومحاولتهن فرضها على الأخريات ليخرجن على نفس القالب. هذا الصوت النسوي الملموس الخارج من قلب المملكة هو استمرار لما قدمته شهد أمين في فيلمها السابق. ولكن تجدر الإشارة أن بعض النهايات للشخصيات كانت ميلودرامية بشكل زائد مثل سائق الشاحنة أحمد (نواف الظفيري) الذي قابلوه في الطريق، وهو ما ينقلنا إلى النقطة التالية.

المخرجة شهد أمين في فينيسيا
المخرجة شهد أمين في فينيسيا

في فيلمها الأول كان الاهتمام بالصورة على حساب السيناريو، وهو ما تقدم شهد أمين عكسه تمامًا في "هجرة" إذ كانت على دراية تامة بأن الشخصيات هي المحرك الأساسي للأحداث، فجاء استخدامها للقطات المقبرة من الشخصيات أكثر ليدفعنا للاقتراب أكثر منها. وعلى هذا جاء أيضًا توظيفها للممثلين مميزًا في أغلب الأدوار. فقدمت خيرية نظمي مزيجًا بين الجفاف الذي يمنحها هيبة خاصة، والحنان الذي يظهر في الأوقات المناسبة، وإن كان بعض المشاهد حملت جفافًا أكثر من المطلوب لدى الشخصية. وأظهرت الممثلة لمار فادن براعة شديدة، ومزج متمكن بين البراءة والنضج خاصة في النصف الثاني من الفيلم الذي تتحول فيه الشخصية بشكل واضح إلى شخصية أنضج. كما كان نواف الظفيري أيضًا مؤثرًا كما يحتاج الدور سواء في النصف الأول من الفيلم ونحن نشاهد جانبه الجاف، أو في النصف الثاني ونحن نشاهد جانبه الإنساني.

فيلم "هجرة" هو إضافة مهمة للسينما السعودية بالتأكيد، كان يمكن أن يصبح أفضل مما ظهر به ربما باستبعاد بعض الخطوط أو الأفكار الفرعية التي لم تكن تصب في حبكته الرئيسية، أو باختيار نهايات مختلفة لبعض الشخصيات، ولكن حتى مع هذه الملاحظات البسيطة يظل فيلمًا مؤثرًا وخطوة كبيرة لمخرجته.

الصور من حسابات صناع الفيلم على انستجرام.