الدكتورة ريم محمود

خاص "هي".. نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء: الفن المُدمّر للتغاضي عن الفروق الدقيقة في الحياة

مجلة هي
29 مارس 2023

بقلم الدكتورة ريم محمود، دكتوراه في علم النفس (بريطانيا)، ماجستير العلوم (بريطانيا)

علم النفس الصحي

"لايت هاوس أرابيا"  The LightHouse Arabia

هل سبق لكِ المبالغة في الأفكار التي تحصر كلّ موقف من مواقف الحياة بين خيارين متناقضين: أما جيد أو سيء، أما مثالي أو كارثي، أما ذكي أو غبي... ولا شيء بينهما؟ يُطلق على هذا النمط من التفكير اسم نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء، الذي هو ببساطة التفكير بالأبيض والأسود. يمنعك هذا النمط من التفكير من استكشاف الحلول الوسطى- مما يجعلك تشعرين بأنّك محاصرة بين خيارين لا ثالث لهما. ونظرًا لأنّ التركيز ينصب بشكلٍ أساسي على بديلين محتملين، فإنّك تفقدين القدرة على رؤية الأمور بطريقةٍ أخرى مختلفة مما قد تبدو عليه في الوقت الحالي. وفي الواقع، نعلّم جميعاً أنّه ثمّة القليل من الأمور الواضحة المعالم في هذه الحياة كما تجعلها هذه الأفكار تبدو.

إلا أنّ السؤال الذي يطرح نفسه، هو لماذا نفعل ذلك؟ تشير الأبحاث إلى أنّ أحد الأسباب تتمثل في رغبتنا بشكلٍ عام في تخفيف مخاوفنا من الشعور بعدم اليقين. يوفر لنا نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء قواعداً وحدودًا واضحة للمواقف- مما يجعلنا نشعر بمزيد من التحكم وأقل غموضًا وإرهاقًا. على سبيل المثال، قد يضع الأشخاص الذين ينخرطون في نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء قواعد مثل "يجب أنّ أترك انطباعًا أوليًا مثاليًا، وإلا فلن يحبني أحد" للتحكم في سلوكهم، أو "منع الأمور السيئة من الحدوث"- مما يحد من قدرتهم على الانخراط الكامل مع الآخرين وتكوين روابط إجتماعية ذات مغزى. لذلك، فبدلاً من التعامل مع المواقف الاجتماعية كفرصة للتواصل، إنّهم يخلقون نبوءة ذاتية التحقّق تقودهم إلى رؤية كلّ موقف اجتماعي على أنّه سلسلة من التحديات أو المعضلات التي تحتاج إلى الغوص في أعماقها أو "إيجاد حلول مناسبة لها". لهذا السبب يعتبر من المهم فحص المرشحات العقلية الخاصة بك، لأنّه في حال لم يتمّ فحصها، يمكن أنّ تحولنا إلى أشخاص بائسين للغاية.

لماذا يعتبر نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء مؤذياً؟

إنّ نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء يبالغ في تبسيط الحياة نظرًا لأنّ تصورك عن نفسك والآخرين والعالم ينقسم إلى فئتين متطرفتين. يمكن أنّ تحرمنا طريقة التفكير هذه من الإستمتاع بأوجه التنوع والإختلاف في الحياة من خلال تكوين نظرة جامدة وضيقة للعالم - والاستسلام للأفكار التالية "هذا هو بالضبط كيف تسير الأمور أو هكذا أنا ..." وفي العلاقات، على سبيل المثال، قد يدفعنا هذا النمط من التفكير إلى تقييم الاشخاص من منظور الكلّ أو اللاشيء، على أنّهم إما "جيدون" أو "سيئون"- مما يجعلك سريع الإعتقاد بأن شريكك جيد تمامًا وتتغاضى عن عيوبه أو صفاته السلبية. وقد يؤدي هذا الأمر إلى غياب المساءلة والفشل في معالجة المشاكل في العلاقات. وبالمقابل، قد تتسرع في إصدار الأحكام المسبقة على الآخرين أو توجيه الإنتقادات لهم، مما يخلق ديناميكية عدائية وسلبية. بشكلٍ أساسي، فقدان التفاصيل الدقيقة لشخصية شخص ما والفروق الدقيقة في أفعاله. قد ينتج عن هذا النمط من التفكير صعوبة في تكوين علاقات عميقة وذات مغزى ويمكن أنّ يؤدي كذلك إلى سوء الفهم والصراع وتوجيه الإنتقادات للآخرين.

وبالتالي، يمكن أنّ يحد نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء من قدرتنا على التسامح وتقدير تعقيداتنا وخبراتنا العاطفية، حيث نراها إيجابية تمامًا أو سلبية تمامًا. ومن الأمثلة على ذلك، من المحتمل أننا جميعًا مذنبون لأننا نسارع عند مواجهة أيّ انتكاسة أو خيبة أمل إلى إعتبار الموقف بأكمله على أنّه فشل ذريع!- متغاضين عن الأمور التي ربما سارت على ما يرام، مما يجعلنا نشعر وكأننا لا نستطيع أبدًا أن نصل إلى أيّ شيء! يمكن أنّ يساهم ذلك على المدى الطويل في التفكير السلبي والشعور باليأس وتدني احترام الذات كما قد يؤدي إلى الشعور بالقلق والإكتئاب وتوخّي الكمال.

بعض العلامات التي تنذر بضرورة إبقاء نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء تحت السيطرة:

القواعد أو الأحكام المتطرفة أو الصارمة

 قام أيّ شخص بتناول ملعقة من الآيس كريم مما دفعك إلى التفكير بهذه الطريقة "لقد دمرت نظامي الغذائي بالكامل، لذلك ربما أتناول كلّ الطعام غير الصحي الذي أريده الآن". يمكن أنّ تجعلنا هذه الطريقة الصارمة في التفكير نشعر بالذنب والهزيمة إذا أكلنا شيئًا خارج قائمة "الأطعمة الجيدة" - مما يجعلنا نتخلى تمامًا عن فكرة تناول الطعام الصحي! وفي حين أنّ النهج الأكثر دقة هو الاعتراف بالنكسة باعتبارها جزءًا طبيعيًا من التقدّم.

السعي نحو "الكمال"

 الإعتقاد بأنّه يجب عليك القيام بكلّ شيء "بشكل مثالي" سواء في العمل أو في أيّ مجال آخر من حياتك من أجل أنّ تكون ناجحًا. قد يؤدي هذا التصرف إلى قضاء ساعات طويلة في العمل والتضحية بالعائلة والاصدقاء من أجل تلبية هذه المعايير العالية، وبالمقابل وصف نفسك بأنّك فاشل عند الوقوع بأيّ خطأ أو مواجهة أيّ مشكلة. وتتمثل النسخة الأخرى من هذا التصرف في الإعتقاد بأنّه هناك وظيفة "مثالية" أو شريك "مثالي" يلبي جميع توقعاتك وطموحاتك- نظرًا لأنه لا يوجد أيّ شخص أو أيّ شيء مثالي على الإطلاق، يقع الأشخاص الذين ينخرطون في نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء في دوامة التفكير السلبي وخيبة الأمل والتردّد. سيتمكن المُفكّر الأكثر دقة من الحصول على رؤية أكثر توازناً لكل من الأمور الجيدة والأمور غير الجيدة - مما يخلق مساحة أكبر للتعديلات أو التسويات أو حتى الحلول الإبداعية!

اللغة المتطرفة

هل تلجأ عادةً إلى استخدام كلمات متطرفة مثل "دائمًا" "أفضل" أو "أبدًا" أو عبارات مطلقة مثل "لا أحتاج أبدًا إلى أيّ مساعدة" أو "يجب أنّ أقوم بعمل جيد دائمًا". تدفعنا طريقة التفكير المبالغ فيها هذه إلى التغاضي عن أيّ استثناءات - والتي عندما تختار النظر عن كثب، ستجد على الأرجح الكثير منها! لا تترك طريقة التفكير هذه مجالاً للنمو أو التطور. فقط فكر في الأمر؛ إذا كنت تفكر في أنّه "عليك القيام بعمل جيد دائمًا"، فما مدى احتمالية أنّ تكتسب معرفة جديدة أو تتعلم شيء جديد مما سيضطرك على الأرجح إلى مواجهة منحنى تعليمي؟ سترغب في بذل قصارى جهدك لتجنب هذا النوع من الضغط وتفادي خطر الإعتقاد بأنّك شخص فاشل- مما يحول دون اقتناصك أيّ فرصة جديدة للنمو.

التغلب على نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء

يمكن أنّ يشكل التغلب على نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء تحدياً، إلاّ أنّ الأمر ليس مستحيلاً مع القليل من الممارسة والجهد. نقدم لكم في ما يلي بعض الإستراتيجيات التي قد تساعدكم على تحقيق هذه الغاية:

تعزيز الوعي

 العزم على إجراء تغييرات من خلال إيلاء الإهتمام إلى أنماط تفكير الكل أو اللاشيء والتعرف عليها. يتمثل قسم كبير من تحدي نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء في زيادة الوعي لديك حول كيفية وضعك للأمور في إطار معين. لذلك، تعتبر زيادة وعيك لأفكارك وعواطفك وسلوكك مساهماً أساسياً في معرفة السبب الكامن وراء أنماط التفكير هذه، مما سيساعدك على تعزيز الشعور بالإمتنان للجوانب الإجابية مع إدراك الجوانب السلبية وسبل معالجتها.

تحدّي الأفكار

 عندما تدرك أنّ علامات نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء بدأت تظهر لديك، حاول تحدّي هذه الأفكار من خلال مشاورة نفسك ما إذا كان الأمر حقيقياً. على سبيل المثال، إذا وجدت نفسك تفكر بالتالي "إنني أفسد الأمور دائماً" إسأل نفسك عما إذا كان هذا التفكير دقيقاً. هل يمكنك التفكير في أيّ وقت لم تفسد فيه الأمور؟ سيساعدك هذا على التوصل إلى فكر بديل وتعزيز قدرتك على رؤية الموقف بطريقة مختلفة كلياً لمساعدتك على اتخاذ القرارات الصائبة.

التركيز على العملية

يميل نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء إلى التركيز على النتيجة، بدلاً من العملية. يؤدي صبّ جلّ تركيزنا على إحتمالية نجاحنا أو فشلنا إلى خلق شعور بالضغط النفسي والقلق- ويجعلنا أكثر ميلاً للمماطلة أوتجنب الهدف بشكلٍ كامل. لذلك، عوضاً عن القلق بشأن نجاحك أو فشلك، ركزّ على عملية إتخاذ الإجراءات اللازمة والتعلّم من تجاربك السابقة. وبالتالي سيؤدي ذلك إلى بناء نهج أكثر إستدامة لتحقيق الأهداف، وأكثر مرونة وقابل للتكيف.  

طلب المساعدة

قد يدفعك نمط تفكير الكلّ أو اللاشيء إلى العزلة والوحدة، لهذا السبب يعتبر من الجيد اللجوء إلى طلب المساعدة من الأصدقاء أو العائلة أو أخصائي الصحة النفسية. يمكن أنّ تساعدك مشاركة أفكارك ومشاعرك مع شخص موثوق به على تكوين وجهات نظر مختلفة والحصول على المساعدة اللازمة.

تذكري فقط أنّ الحياة ليست وجهاً واحداً، ليست بيضاء أو سوداء، إنّما رمادية. كلّ شخص، كلّ مشكلة، كلّ مصيبة، وحتى كلّ انتصار- أيّ كلّ شيء في هذه الحياة موجود داخل طيف مع العديد من الفروق الدقيقة بينهما. حتى في خضم الانتصارات، قد تكون هناك بعض المجالات التي تحتاجين إلى تحسين. لذلك، احرصي على الإنتباه إلى الفروق الدقيقة.