أعمال درامية صادمة ترفع شعار "وراء كل امرأة عاملة بيئة عمل فاسدة"!

حتى نهاية الخمسينيات تقريباً كانت حبكة سعى المرأة الجميلة للزواج من فارس الأفلام هى الأكثر نجاحاً في السينما، وانتشرت نوعية من الأفلام الخفيفة عن خطط المرأة للزواج من مليونير؛ وكانت الأمريكية "مارلين مونرو" نموذجاً مثالياً لبطولة هذه النوعية من الأفلام، ولم تكن حبكة سعى المرأة لتكون مليونيرة حاضرة في خيال كتاب السيناريوهات، وحتي حينما كانت المرأة تظهر كمديرة ناجحة كانت تظهر مسترجلة وغاضبة مثل "مديحة يسري في الفيلم المصري "آه من حواء"، وحينما بدأت السينما المصرية تدعم عمل المرأة بجدية، ظهرت "شادية" كنموذج المرأة القوية الحازمة التي تدير شركة تضم موظفين من الجنسين في فيلم "مراتي مدير عام"، وقد نجحت البطلة في مواجهة محاولات التحرش والتنمر والتقليل من شأنها، ولكن الواقع لم يكن لطيفاً ومرحاً مثل كوميديا "فطين عبد الوهاب".

"هى" ضحية الرجال!

بعد وفاة "روجر آيلس" الخبير الإعلامي ورئيس "فوكس نيوز" السابق بدأت فكرة إنتاج فيلم Bombshell الذي تناول اتهامات ثلاث مذيعات عملن في شبكة "فوكس" لآيلس بالتحرش الجنسي، وجسدت شخصياتهن الممثلات "شارليز ثيرون" و"نيكول كيدمان" و"مارجو روبي"، وفي مسلسل محدود بعنوان The Loudest Voice جسد "راسل كرو" شخصية "روجر أيلس" مرة أخرى، ورسم العمل صورة شخصية رجل الإعلام القوي، الذي صنع واحدة من أشهر شبكات الإعلام، وظلال حياته الشخصية ونزواته التي أنهت حياته العملية بفضيحة التحرش، وظهرت المرأة في الفيلم والمسلسل تدفع ثمناً باهظاً لنجاحها، ولم يكن هناك شك أنها ضحية ومجني عليها.

كواليس عمل المرأة طوال العقود الماضية لم تكن أمرا سهلاً، والدراما بدأت منذ سنوات في رصد قصص كفاحها في سوق عمل لا يرحم، ولم تكن كل الأفلام والمسلسلات التي تناولت عمل المرأة لطيفة ومُسلية؛ فبعضها كان صادماً ومُثيراً للجدل. كما أن كواليس عمل المرأة في مجالى التمثيل والإعلام هما الأكثر جدلاً في الواقع وفي الدراما نفسها، وربما كانت شخصية المنتج المتحرش بالممثلات من أكثر النماذج النمطية في السينما، وقد طفت قبل سنوات قليلة قضية المنتج الأمريكي "هارفي واينستين" على السطح، ونشأت حركات نسوية غاضبة مثل Metoo تسعى للانتقام من كل الإهانات والاعتداءات التي تعرضت لها المرأة أثناء سعيها للعمل، وتوالت الإدعاءات التي تتهم "هارفي واينستين" بارتكاب جرائم جنسية ضد ممثلات، واتضح أن للصورة الدرامية النمطية أصل في الواقع.

أعمال درامية صادمة ترفع شعار "وراء كل امرأة عاملة بيئة عمل فاسدة"!

كواليس مُهينة لبرنامج السيدة الودودة

ومن الواقع إلى الخيال جسد الممثل "ستيف كاريل" شخصية مذيع برنامج صباحي شهير مُتهم بالتحرش في مسلسل The Morning Show، وكان العمل يحاول الوقوف في منطقة مُحايدة من مثل تلك النوعية من الاتهامات الحادة؛ فبطل العمل يدعي أن علاقاته ببعض موظفات القناة تم بالتراضي والاتفاق، وفي نفس المسلسل تظهر شخصية المذيعة التي تُجسدها "جينفر أنيستون" ودودة وخفيفة الظل أمام الكاميرا، ولكنها لا تطيق أن ينافسها ضيفها في الذكاء والمرح أمام الكاميرات، وفي أوقات الفواصل الإعلانية كانت تصمت وتتجاهل ضيفها بصورة تدفعه للحرج، ولا يختلف هذا كثيراً عن الصورة التي صورها البعض مؤخراً للمذيعة الأمريكية "إيلين دي جينيريس"؛ حيث توالت الاتهامات لها بالغرور والعجرفة، ووصف بعض العاملين ببرنامجها كواليس العمل بالمهينة والعنصرية. ربما تتحول كواليس برنامج "إيلين دي جينيريس" إلى عمل درامي قريب؛ فالدراما تبحث عن تلك الحكايات بحماس بالغ، ومن المُحزن أننا قد نكتشف أن "إيلين" اللطيفة ربما لا تختلف كثيراً عن "ميرندا بريستلى"، وهى المديرة القاسية التي جسدت شخصيتها "ميريل ستريب" في فيلم The Devil Wears Prada ، وهو واحد من الأفلام التي صورت المرأة العاملة في هيئة شيطانية كريهة.

 

الكفاح الحقيقي للمرأة

سواء كانت المرأة ضحية أو جانية تبقى بيئة العمل في الأفلام والمسلسلات السابقة فاسدة؛ ويظل نجاح المؤسسات التي ظهرت في تلك الأعمال مجرد شجرة مُزهرة جميلة تُخفي جذوراً تالفة، ولكن الصورة ليست دائماً أبيض وأسود كما تبدو؛ فهناك كواليس كفاح حقيقى لنساء شغوفات بالعمل والنجاح، وقد صورت "جوليا روبرتس" شخصية "إيرين بروكوفيتش" في فيلم Erin Brockovich، وهى أم عزباء تبحث عن عمل للإنفاق على أبنائها الصغار، وقد عملت في وظيفة متواضعة بمكتب محامي، وصادفت بعض ملفات دعاوى ضد شركة باسيفك للغاز والكهرباء بكاليفورنيا، وبالبحث والتنقيب الدؤوب اكتشفت تورط الشركة في إلقاء مخلفات سامة في خزانات مياه؛ مما تسبب في مرض العديد من سكان المدينة، ورغم كل الضغوط والتهديدات استمرت في تقصي شكاوى السكان، وواجهت وحدها شركة باسيفك التي كانت تُحاول إخفاء أثار جريمتها، وكان الفيلم تحية لكفاح امرأة حقيقية هى "إيرين بروكوفيتش" التي تدير حالياً شركة للأبحاث والاستشارات القانونية بالولايات المتحدة. في عام 1979 جسدت "سالي فيلد" في فيلم "نورما راى" Norma Rae دور أم شابة تعمل داخل مصنع للنسيج عمل فيه أفراد عائلتها، وهى تحاول مع زملائها تنظيم اتحاد نقابي للدفاع عن حقوقهم، خاصة حقوقهم في حمايتهم من الأثار الصحية الضارة للعمل داخل المصنع؛ وتتعرض للفصل بسبب دورها في تحريض العاملين على المطالبة بحقوقهم، ولكنها تستمر في الضغط حتى يتم تشكيل النقابة، ومرة أخرى القصة حقيقية، وبطلتها من واقع الحياة.

أعمال درامية صادمة ترفع شعار "وراء كل امرأة عاملة بيئة عمل فاسدة"!

ربما تكون حكايات التنمر والتحرش والعنصرية جذابة للدراما، ووقود للجمعيات النسوية الحديثة، ولكن هناك حكايات تُسطح قضية عمل المرأة أحياناً، وتُشوش على إنجازاتها الحقيقية، وتكتفي بصنع أفلام فضائحية مثيرة، ومسلسلات صادمة تبحث عن الجدل ومجاراة أجندة الحركات النسوية والصوابية السياسية.