المصمم اللبناني العالمي زهير مراد يوجه نداء للعالم عبر "هي": لا تتوقفوا عن الحديث عن لبنان!

"عندما تشعر بالألم فإنه ينعكس بشكل طبيعي على عملك ونحن حقا نتألم"

المبنى بعد الانفجار

المبنى بعد الانفجار

"أمامنا طريق طويل نقطعه ونحن بحاجة إلى كل المساعدة التي يمكننا الحصول عليها"

العارضة العالمية أليساندرا أمبروسيو ترتدي تي شيرت من تصميم المصمم اللبناني لدعم بيروت

العارضة العالمية أليساندرا أمبروسيو ترتدي تي شيرت من تصميم المصمم اللبناني لدعم بيروت

سيلن ديون ضمن الحملة

سيلن ديون ضمن الحملة

شاكيرا ضمن الحملة

شاكيرا ضمن الحملة

لن يكون هناك شيء على حاله بعد 4 أغسطس. الإنفجار الذي هزّ بيروت والعالم بضخامته، والذي صنّف كرابع أضخم انفجار في التاريخ، غيّر حياة اللبنانيين إلى الأبد، فالإجرام لا يفرّق بين انسان وآخر، والخراب الذي نتج عن الحادث الكارثي، طال مئات الآلاف من اللبنانيين الذين لطالما حلموا بالعيش في بلدهم الذين يعشقونه بسلام، وأن يتمكّنوا من تحقيق أحلامهم من دون الاضطرار إلى الهجرة. زهير مراد، سفير لبنان في العالم الذي توّجت تصاميمه إطلالات أهم النجمات العالميات، لم يكن يعلم في ذلك التاريخ المشؤوم أنّ 10 دقائق كانت تفصله عن مصير محتم، إذ إن مكاتبه القابعة في قلب العاصمة اللبنانية تدمّرت كلياً جراء الإنفجار، و 80 في المئة من أعماله وأرشيفه اختفت بالكامل. زهير مراد الذي لطالما بعثت أعماله الفرح والأمل والفخر في قلوب اللبنانيين، يستعيد أحداث الرابع من أغسطس، ويكشف لنا في هذا الحوار عن مبادرته الخاصة لدعم وطنه، مصدر وحيه وفرحه واعتزازه.

قبل كل شيء، الحمد لله على سلامتكم أنت وعائلتك وفريق عملك. هل يمكنك أن تخبرنا عن يوم الرابع من أغسطس؟ أين كنت عندما وقع الانفجار؟ وماذا حدث بعد ذلك؟
كنت قد غادرت المبنى قبل 10 دقائق من وقوع الانفجار، متوجها إلى المنزل. عندما سمعت الانفجار، لم يكن لدي علم عن مكانه بالضبط، لكنني كنت أعلم أنه قريب، لذا كان شاغلي الأول هو الاتصال بالمسؤول عن المبنى، والتأكد من أنه وأعضاء الفريق بخير. فأكد لي أن الجميع غادروا قبل دقائق قليلة، وأنه هو نفسه بخير. ثم سألته متهيّبا عما إذا كان المبنى قد تضرر. فأجاب أن المبنى بأكمله قد اختفى تماما. في تلك اللحظة، لم يكن لديّ ولا لدى غيري أي فكرة عن مدى ضخامة هذا الانفجار. عدت مع أخي الذي يعمل معي للتحقق من الوضع. لا أستطيع وصف المشهد الذي رأيناه في ذلك المساء. كان الناس من حولنا مصابين بجروح بالغة، وكان هناك قتلى، وغطت الدماء كل طوابق المبنى، كان مشهدا مروّعا.
كان التيار الكهربائي مقطوعا، لذلك خلنا أن زجاج المبنى فقط تحطّم، مع بعض الأضرار الأخرى المحدودة. الصدمة حصلت في اليوم التالي عندما عدنا إلى المبنى في وضح النهار.

ماذا تغيّر فيك بعد الرابع من أغسطس؟
أولا، الحمد لله أننا نجونا أنا وفريقي وعائلتي، لقد منحنا الله فرصة ثانية. لسوء الحظ، لن يكون هناك شيء على حاله بعد 4 أغسطس، لأننا شهدنا مقتل أو إصابة ناسنا وأصدقائنا وعائلاتنا، ورأينا بيروت الجميلة تختفي في غضون دقيقة. كل صباح أسأل نفسي: هل الأمر يستحق الاستمرار؟ لا أريد أن أكون صامدا بعد الآن، ولا أريد أن أفقد شعبي الجميل وبلدي بسبب إهمال أولئك الذين يفترض بهم أن يحمونا. لا أريد أن أرى عمل عمر بنيته يوما بعد يوم يختفي في ثانية، لأن بعض المجرمين قرروا أن لا أهمية لحياتنا ووظائفنا وممتلكاتنا وتراثنا وبلدنا. لكنني أشكر الله على كل النفوس الجميلة والأصدقاء والفريق والعملاء الذين أغرقوني بأطنان من الرسائل من جميع أنحاء العالم، ورسائل الحب، والقلق، والأمل الذي منحني الشجاعة للنهوض مرة أخرى والمضي قدما. أنا مدين لهم جميعا بهذا، وخاصة لبلدي الجريح الجميل.
ما الأضرار التي لحقت بمبناك ومكاتبك في بيروت بسبب الانفجار؟
المبنى صار عبارة عن هيكل، وكل ما فيه زال من الوجود: الأثاث والمواد والمخزون، و 80 في المئة من أرشيفي الشخصي ورسوم المجموعات التي احتفظت بها منذ بداية رحلتي في عالم الموضة. وكذلك القطع الفنية التي اشتريتها خلال رحلاتي المتعددة. حياتي كلها كانت داخل ذلك المبنى.

تاريخيا، كانت بيروت المركز الإبداعي للشرق الأوسط في الفن والموضة وسواهما، وما زالت كذلك. هي تمثل اندماج المعرفة الأوروبية العالمية والتراث الثقافي الغني للشرق الأوسط. ماذا تمثل بيروت بالنسبة إليك؟
قبل عشر سنوات، تشرفت باختياري من قبل برنامج على شبكة "سي إن إن "بعنوان "داخل الشرق الأوسط" لأقدم فيه بيروت للعالم. شعرت بفخر كبير لاختياري لأصف جمال بيروت وتفردها، فيما أنا أتجول في أماكن فريدة. من بين كل المدن التي يمكنني الاستقرار فيها وتطوير عملي، وددت دائما العيش هنا وتطوير عملي من هنا. لا شيء يضاهي هذه العاصمة النابضة بالحياة بشعبها وألوانها ورائحتها وتراثها المعماري. لقد غذّت بيروت موهبتي بكل الروح العالمية التي سادت فيها.

"عندما تشعر بالألم فإنه ينعكس بشكل طبيعي على عملك ونحن حقا نتألم"

كيف أثر لبنان وبيروت في إلهامك في التصميم وإبداعاتك وأخلاقياتك في العمل؟
أنا مصمم شرق أوسطي برؤية أوروبية تنبع من الإطار الكوزموبوليتاني الذي نشأت فيه. لقد غذّى هذا المزيج من الثقافات الأوروبية والشرق أوسطية وتراثهما الغني موهبتي وفهمي للتصميم. لا أستطيع أن أتخيل نفسي أعيش في مكان آخر غير هنا، على الرغم من أنني أسافر طوال العام. بيروت مدينة غنية بالتاريخ مع العديد من المؤثرات والحضارات التي أسهمت في تطورها وتنوعها الجمالي. إن شعب لبنان الجميل هو نتيجة بوتقة أعراق ومجتمعات. واللبنانيون لطالما غذّوا مخيلتي وإلهامي، وسوف يفعلون ذلك دائما.

المصممون اللبنانيون وضعوا العرب على خريطة الموضة العالمية. بعد الحادثة الأخيرة، بات العديد من المصممين المحليين الناشئين يشعرون بالإحباط والضياع، وهم يحاولون النهوض من الكبوة. ما رسالتك لهؤلاء الفنانين؟ كيف يمكن أن يواصلوا من مسيرتهم؟
إنني مندهش من زيادة عدد المصممين الشباب من الشرق الأوسط عاما بعد آخر، مع تمتع عدد كبير منهم بالقدرة على التغيير. ما يبدو مثيرا للاهتمام هو الطريقة التي يعملون بها على تحديث الاتجاهات الإقليمية، وإعادة تعريف الملابس التقليدية على طريقتهم الخاصة وخبراتهم ومهاراتهم. وبعض هؤلاء المصممين يحدّثون تماما الطريقة التي تلبس بها نساء الشرق الأوسط، وبدأوا ابتكار ترجمة حديثة وعصرية للأزياء الشرقية. لديّ ثقة بأنهم سيذهبون بعيدا، وسيضعون أسماءهم على الخريطة في عالم الموضة. رسالتي إليهم هي ألا يستسلموا أبدا، وأن ينهضوا تماما كما يفعلون في إنهاض بلدهم، وأن يثابروا ويقاتلوا لاستعادة ما خسروه. هذه المرة، لن يبدؤوا من الصفر، بل سينطلقون من قوّتهم وتجاربهم الشخصية.

أُنشئت صناديق عدة لدعم المواهب المحلية. هل تعتقد أن إنشاء الصناديق كافٍ لمساعدة المواهب الناشئة؟ وما الحل الحقيقي لدعم المصممين الشباب الصاعدين؟
لا شك في أن الدعم المالي ضروري للجميع في هذه المرحلة، وخاصة مع تجميد أموالنا في البنوك اللبنانية. لكن هذا ليس أهم شيء. فالشباب بحاجة إلى الدعم المعنوي، والتشجيع، ودفعهم إلى المثابرة. ما حدث لنا جميعا شيء يصعب تجاوزه، وفي هذه المرحلة يصعب علينا التركيز على عملنا مع كل المعاناة التي تحدث من حولنا. يشعر كثيرون منا بالهزيمة واليأس، وهي ليست حالة تحقق إعادة البناء. لذلك،
نحتاج بعضنا إلى بعض، فكريا وعاطفيا. المساعدة المالية من دون مساعدة نفسية وعاطفية لن تكون كافية. وأنا أدرك أنه من دون دعم أحبائي وفريقي بشكل خاص، لن يكون لدي الدافع للاستيقاظ كل يوم ولملمة أجزاء الحياة الجديدة. بمبادرة شخصية، أطلقت حملة لجمع التبرعات عبر بيع قمصان تي-شيرت، والتبرع بكل العائدات إلى جمعية "فرح العطاء"، وهي مؤسسة خيرية عظيمة تعمل حاليا على الأرض اللبنانية، تستجيب لجميع الاحتياجات الإنسانية، وتمول الإغاثة في حالات الكوارث. ومن خلال هذه المبادرة، آمل أن أستخدم علاقاتي في قطاع الأزياء لنشر أكبر قدر ممكن من الوعي حول ما نمر به. كنتَ لسنوات عدة سفيرا للبنان في العالم تُلبس المشاهير والمغنيات العالميات.

ما رسالتك للعالم في هذه الأوقات الصعبة؟ كيف يمكنه مساعدة لبنان والمصممين اللبنانيين؟
رجاءً لا تتوقفوا عن الحديث عن لبنان. فقط بالحديث عن لبنان أنتم تساعدوننا. فقط من خلال نشر الوعي ومشاركة المحتوى، أنتم تساعدوننا. إن حجم المساعدات الأجنبية واللبنانية التي تلقيناها حتى الآن لا يصدَّق. أشكر كل دولة أجنبية وكل لبناني على الكرم والاهتمام والمساعدة. لكن مع مرور الأيام وعلى الرغم من أن البلاد لا تزال موضع نقاش وكلام، ألاحظ أن وجود قضيتنا في وسائل الإعلام العالمية بدأ يتراجع. في هذا الوقت تحديدا نريد أن يتحدث الجميع عن بيروت. هذا هو الوقت الذي نحتاج فيه إلى الشعور بعدم التخلي عنّا. أمامنا طريق طويل نقطعه، ونحن بحاجة إلى كل المساعدة التي يمكننا الحصول عليها. هناك العديد من الصناديق العامة للإغاثة في حالات الكوارث، وهناك العديد من الصناديق المتخصصة. أطلب بكل تواضع المساعدة من أي شخص يمكنه ذلك. والمساعدة ليست بالضرورة مالية، بل يمكن أن تكون على شكل خدمات وخبرات.

كان هذا العام مليئا بالحوادث الدراماتيكية. كيف يستطيع الفنان والمصمم تحويل المعاناة والألم إلى فن؟
أرى الكثير من الموهوبين يحولون هذه المأساة إلى فن ينطق بالكثير، من مصوري الفيديو إلى مؤلّفي الفيديو والشعراء والمصممين الغرافيكيين والرسامين وفناني الغرافيتي وما إلى ذلك. إنهم جميعا يلتقون وينشئون محتوى رائعا، المحتوى الذي يعبّر عما لا تستطيع كلماتنا التعبير عنه. لا أعتقد أن هناك طريقة محددة لتحويل المعاناة والألم إلى فن. عندما تشعر بالألم، فإنه ينعكس بشكل طبيعي على عملك. ونحن، حقا، نتألم.

غيّرت جائحة "كوفيد- 19" صناعة الأزياء إلى الأبد. كيف ترى مستقبل الموضة وأسابيع الموضة بعد "كوفيد- 19"؟
في هذه المرحلة، لم أفكر حقا في الآثار المستقبلية للجائحة مع كل ما يجري في بلدي. لا تسيئي فهمي. على الرغم من أننا ما زلنا نأخذ جميع الاحتياطات اللازمة للوقاية من كورونا، يمكننا بسهولة القول: إننا نسينا تقريبا التأثير المستقبلي للوباء في صناعتنا. لكن سيكون هناك بالتأكيد تحول في عملنا وعملياتنا التجارية، ونحن نشهد بالفعل حدوث ذلك منذ الآن، وقد بدأنا التكيف. سيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف ستستجيب الصناعة للجائحة وتداعياتها في المستقبل.
ما الخطوة التالية لزهير مراد؟ وما خططك للمستقبل؟
نحن نحاول أن نعيش يوما بيوم. انتقلنا إلى مكاتب جديدة مؤقتة في بيروت. في الوقت الحالي، ما زلنا نحاول الاستقرار قبل أن نفكر في ما يجب فعله لاحقا. هناك العديد من السيناريوهات المختلفة، وعلينا دراسة كل منها بعناية، للتوصل إلى أفضل خطة ممكنة للمستقبل.