سيارات بورشه في مواجهة الأزمات عبر العصور

لو تأملنا مسيرة صانعة السيارات الألمانية "بورشه" لتعلمنا منها كيف هو الصمود في مواجهة التحديات، حيث لم تنجح الضربات المتلاحقة في وقف خُطى مؤسسها "فرديناند بورشه"، والتي سار عليها من بعده أبناؤه وأحفاده.. فمن أمواج الحرب العالمية إلى السجن، ثم الانتقال للإقامة في مكان آخر والبدء من جديد.. لا مجال للتوقف والبكاء، بل استغلال كل ثانية للنهوض مرةً أخرى..

البداية

بدأ تاريخ بورشه من اللحظة التي ترك فيها المهندس "فرديناند بورشه" عمله مع شركة "Daimler MotorenGesellschaft"، بعد اندماجها لتصبح "Daimler-Benz"، حيث إن أفكاره حول تصميم سيارة صغيرة وخفيفة الوزن لم تلقَ قبولاً لدى مجلس إدارتها.. وبعد أن انتهى به الأمر عاطلاً عن العمل في 1929، عاد إلى مدينة "شتوتجارت" الألمانية ليؤسس شركته الخاصة عام 1931، والتي قدمت خدمات التصميم والاستشارات المتعلقة بالمحركات والمركبات، وقام بتوظيف عدد من الأشخاص الذين عملوا معه في أماكن سابقة، كما انضم ابنه "فيري بورشه- Ferry Porsche" للعمل في الشركة.

بورشه والخنفساء

حصلت الشركة عام 1934 على تعاقد مع "أدولف هتلر" لتصميم "سيارة الشعب- Volkswagen" التي اشترط أن تتميز بالبساطة وصغر الحجم.. وهنا قام فرديناند بإعادة فتح أوراق مشروع سيارته القديمة، والتي كانت مزيجًا من أفكار بدأت في الظهور ذلك الوقت مع أفكاره الخاصة، لتكون النتيجة سيارة بمحرك خلفي يعتمد على تبريد الهواء، ومقدمة منحنية من أجل الديناميكا الهوائية، وتشبه الخنفساء إلى حد كبير، وأُطلق عليها بالفعل اسم تلك الحشرة "Beetle"، إلا أن إنتاجها قد تأجل بسبب الحرب العالمية الثانية التي كانت على الأبواب.. وفي عام 1939 تم تطوير السيارة "بورشه 64" التي يعتبرها البعض أول سيارة تنتجها الشركة، رغم أن أغلب مكوناتها من السيارة "بيتل".

مؤسس بورشه وراء القضبان

بعد أن اشتعلت الحرب، تحول مجال عمل الشركة إلى الإنتاج الحربي وتصميم الدبابات الثقيلة، وبعد انتهاء الحرب وسقوط دول المحور عام 1945، أُلقي القبض على "فرديناند" مع ابنه وشريكه "Anton Piëch" بتهمة ارتكاب جرائم حرب، إلا أن ابنه "فيري" قد تم إطلاق سراحه بعد ستة أشهر، ليحاول استئناف نشاط الشركة والقيام بأعمال إصلاح السيارات، مضخات المياه، والأوناش، كما أبرم عددًا من التعاقدات؛ ليحصل منها على الأموال التي دفعها لإخراج أبيه من السجن. 

أول سيارة بورشه

بدأت الشركة في العمل على تصميم جديد عام 1948 أطلقت عليه "بورشه 356" لتكون أول سيارة تحمل اسم الشركة بالفعل، بعد أن نُقلت من مقرها في "شتوتجارت" إلى ولاية "كيرنتن" النمساوية، بعيدًا عن نفوذ دول الحلفاء.

وبعد أن قام "فيري" بعرض النموذج التجريبي للسيارة على تجار السيارات في ألمانيا، لتصل الطلبات عليها إلى الحد الأدنى المطلوب، تم تصنيع 49 نسخة يدويًا داخل مبنى قديم بمدينة "Gmünd" عام 1948.. وعادت أسرة بورشه في العام التالي إلى شتوتجارت، لا يعرفون من أين يبدأون مرةً أخرى، فمنشآتهم كانت ما تزال تحت الحظر الأمريكي، والبنوك لن تمنحهم قروضًا مالية، مما اضطر "فيري" إلى الاستعانة بإحدى النسخ المحدودة من سيارتهم 356 في "Gmünd"، وعرضها على متعهدي سيارات فولكس فاجن، أملاً في زيادة الطلب عليها، وطلب من هؤلاء التجار أن يدفعوا مقدمًا.. وهكذا بدأت سلسلة أخرى من 356 في مدينة شتوتجارت، تعتمد على جسم من الفولاذ بدلاً من الألومنيوم المستخدم في النسخة الأولى..

وعندما تمكن "فيري" من استعادة الشركة مرةً أخرى، قام بإنتاج 1500 نسخة من السيارة، واستمر إنتاجها على مدار 17 عامًا وتجاوزت أعدادها 78 ألف نسخة، ولم تتوقف مسيرة بلوغ القمة منذ ذلك الوقت، وخلال تاريخها الطويل تنوع إنتاجها ما بين سيارات مخصصة للطرق -أشهرها باناميرا وكايين وكاريرا- وسيارات سباق مثل "RS Spyder"، سيارات كهربية وأخرى هجينة، جرارات، إلى جانب قيامها بتصنيع محركات الطائرات.

تعاون متواصل مع فولكس فاجن

إن تاريخ التعاون بين فولكس فاجن وبورشه يعود إلى وضع تصميم البيتل في البداية، ولم يتوقف هذا التعاون حيث تم التعاقد بينهما لتقوم بورشه بتقديم الاستشارات، خاصةً فيما يتعلق بتلك السيارة.. وفي نوفمبر 1950 قام فرديناند بزيارة مصنع فولكس فاجن لأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتناقش مع رئيس المصنع حول مستقبل هذه الخنفساء التي كانت قد بدأت بالفعل تُنتج بأعداد كبيرة.. وتُوفي "فرديناند" بعد ذلك بأسابيع قليلة في عام 1951، ليستكمل أبناءه وأحفاده ما بدأه وصمد من أجله.. 

وعلى امتداد السنوات اللاحقة تم إنتاج عدد من سيارات التي تحمل جينات مشتركة تجمع بين الشركتين، فمثلاً عام 1969 كان إنتاج السيارة "فولكس فاجن-بورشه 914" التي تحمل محرك فولكس فاجن، بالإضافة إلى "فولكس فاجن-بورشه 914-6" والتي تحمل محرك بورشه، ثم في عام 1976 كان إنتاج السيارتين "بورشه 912E" و"بورشه 924" واللتين استخدمتا عددًا من المكونات الخاصة بـ"أودي"- المملوكة لمجموعة فولكس فاجن.  

والآن دعنا نسرع عجلة الزمن لنصل إلى عام 2009 حيث قامت مجموعة فولكس فاجن بشراء 49.9% من أسهم الشركة، كخطوة أولى لضمها تحت مظلتها، وفي أغسطس عام 2012 انتقلت الملكية بالكامل إلى المجموعة، بعد التأجيل عدة مرات لأسباب مختلفة، منها مخاطر مالية وقانونية.

إنجازات وجوائز

رغم وفاة "فرديناند بورشه" عام 1951 إلا أنه تم تكريمه بلقب "مهندس سيارات القرن" عام 1999، نظرًا لإنجازاته وتصميماته في عالم السيارات، وحصلت سياراته نفسها على عدد من الجوائز، فمثلاً حازت "باناميرا" على جوائز "أفخم سيارة"، و"أقوى سيارة في فئة الصالون" وذلك خلال الأعوام من 2010 إلى 2014 على التوالي، كما حازت "كايين" على جائزة "أفخم سيارة" ضمن فئة الدفع الرباعي في الأعوام من 2005 إلى 2014، بالإضافة إلى "أقوى سيارة" في الأعوام من 2005 إلى 2009، ومن 2011 إلى 2014 لنفس الفئة.. وغير ذلك من الجوائز التي اقتنصتها سياراتها الفاخرة، لتظل على القمة، وتكتسب صلابة مؤسسها رغم كل الظروف.

شعار بورشه

استوحت الشركة شعارها الأول من شعار النبالة لــ"فورتميبرج- Württemberg"، والتي كانت ولاية سابقة في جنوب غرب ألمانيا، اتخذت من شتوتجارت عاصمةً لها.. ومنذ بداية تصنيع السيارات في شتوتجارت تمت إضافة "درع النبالة" الخاص بها في منتصف الشعار.. ويحمل الشعار اسمين بداخله، أولهما اسم الشركة "Porsche" في الأعلى، وفي المنتصف يستقر اسم مدينة شتوتجارت "Stuttgart" أعلى الدرع الخاص بها.