كبيرة علماء أبحاث السرطان

 

 

النسيان مع أحلام 

لا يكاد يخلو أي اجتماع نسائي من الشكوى من أمور عديدة، سواء تعلقت بما يدور في الحياة الاجتماعية، أو حتى بما يدور من أحداث متشعبة في عالم النساء الغامض. وتكاد الشكوى من النسيان، وضعف الذاكرة تكون قاسما مشتركا في هذه الاجتماعات على اختلاف طبقاتها وخلفيتها الثقافية.

أعترف بأنني أشارك أحيانا في هذه الشكوى، وأعتب على نفسي كثيراً عندما أقف أمام أناس قد سبق أن قابلتهم، وربما تحدثت إليهم، وأجد أن ذاكرتي تخونني في استعادة أسمائهم أو حتى متى وأين التقيت بهم.. في بداية مأساتي مع ذاكرتي كنت أحاول التخفيف من حجم المشكلة وتعليل أمر خيانة الذاكرة تلك، بكثرة انشغالي، وكثرة الوجوه التي تصادفني في طريق الحياة. 

لقد حاولت جاهدة أن أقرأ كل ما من شأنه أن يعزز تنشيط الذاكرة، للتعرف، وحفظ أسماء من أقابلهم، فقرأت في أحد الكتب الأجنبية، نصيحة بأن تحاول بخيالك كتابة اسم الشخص الذي تقابله على جبهته، مما يساعدك على قراءة اسم الشخص كلما نظرت إلى وجهه، وأمعنت النظر في جبهته. بالطبع، بعد قراءة هذا الكتاب ونصائحه وجدت نفسي محاطة بإحراج مضاعف، فأنا لم أكتف بأنني نسيت اسم ذلك الشخص فقط، وإنما وجدت عيني تحملق في جبين الشخص الذي أمامي، محاولة إيجاد ذلك الاسم الذي كتبته مخيلتي على جبينه من دون أي جدوى. عموماً توقفت عن قراءة تلك الكتب الفلسفية والتي تحاول نظرياً إصلاح ما أفسده الدهر. 

وأجد نفسي متسائلة: هل الدهر قادر بالفعل على إحداث عطب مستديم في الذاكرة؟.. ربما.. ولكنني أستغرب كيف يستطيع عطب الذاكرة أو النسيان أن يختار المكوث في أجزاء من الذاكرة، ويترك الباقي سليماً معافى؟.. هل الذاكرة فعلا مثل مخزون الكمبيوتر إذا امتلأ فإنه يلغي أشياء إضافية أوتوماتيكياً، حتى يستطيع ما تبقى فيه من ذاكرة أن يعمل بكفاءة؟.. كنت أتباهى بقدرتي على الحفظ والتذكر لدرجة أنني في مرحلة مبكرة من عمري، كنت أغمض عينيّ وأشيح بوجهي عن أرقام لوحات السيارات التي أمامي حتى لا تختزنها وتحفظها ذاكرتي من دون إذن مني.. والآن بعد التكنولوجيا أصبحنا لا نستطيع التحرك من دون أجندة المواعيد الالكترونية التي تخزن المواعيد، وتواريخ ميلاد من نحب، وتقوم بتذكيرنا بجرس المنبه قبل تلك المواعيد، حتى لا تشطبها ذاكرة النسيان. 

ورغم أنني امرأة، والمرأة بطبيعتها ميالة إلى الشكوى، إلا أنني أعتذر منكم قرائي فأنا لم أقصد في ما كتبت أن أثقل عليكم وأرهق ذاكرتكم بتخزين شكواي عن عطب ذاكرتي.. فموضوع النسيان طفا فجأة على سطح تفكيري عندما شاهدت الأديبة الشامخة أحلام مستغانمي في حفل تكريم المرأة العربية في بيروت في شهر مارس/آذار الماضي. 

فرغم قلة قراءتي للكتب الأدبية العربية إلا أن معالم كتابها الرائع «ذاكرة الجسد» لا تزال واضحة في مخيلتي. فقد كان ذلك الكتاب يمزج الوطنية، والحب، والتضحية، والجنون، وهي تناقضات من النادر أن نراها مجتمعة في رواية.. وهناك في ذلك الحفل علمت أن كاتبتنا الرائعة أصدرت كتاباً أسمته «نسيان كوم» .. شدّني عنوانه، فذهبت إلى أقرب مكتبة في بيروت لأحصل عليه، وخاصة عندما علمت أن أسلوبه غير روائي، ويختلف كثيرا عما سبقه من كتب.. ولا أدري ما إذا كان إسراعي في الذهاب من أجل اقتناء كتاب النسيان، إعجابا مطلقا بأسلوب الكاتبة أم رغبة داخلية في التغلب على مشكلة النسيان التي اعترفت لكم بها. 

كنت فرحة بحصولي على نسخة من الكتاب. فقد مكثت ليلة كاملة في شرفة الفندق الذي نزلت فيه، وبدأت بأول صفحة فلم يبزغ فجر ذلك اليوم إلا وقد أنهيت الكتاب بأكمله.. وهذا طبع سيئ متمكن مني.. فإذا أعجبني الكتاب الذي أقرأه.. علميا كان أم أدبيا، لا أتركه حتى أنهيه، وكأنني أنسج رباطا بيني وبين ما أقرأه وأخاف الابتعاد، حتى لا ينقطع ذلك الرباط الجميل. 

عموماً، لقد وجدت أن الكتاب لا يتحدث عن ذلك النوع من النسيان، وإنما عن نوع آخر تماماً. إنه كتاب رائع بأسلوب وطرح مميزين اعتدنا عليهما من كاتبة مخضرمة مثل أحلام.. يحفز المرأة على نسيان من تحب إذا بادرها بالإساءة أو لامس بإهماله شموخ كرامتها.. حسبت أن المرأة تلازمها صفة النسيان، كيف لا وقد أشارت بعض الدراسات العلمية إلى أن الحمل المتكرر يفقد المرأة جزءا من ذاكرتها، ويسهل عليها عملية النسيان، فتوقعت أن يكون الكتاب تحفيزاً للرجال على النسيان، خاصة وأنهم يُمنَحون العديد من الامتيازات ومنها امتياز الذاكرة القوية، ولكن كاتبتنا الجميلة غيّرت السائد، وطالبت المرأة بأن تكون قوية في نسيانها، كما هي قوية في حبها وعطائها. كم توقفت عند جملتها التالية: «أحبيه كما لم تحب امرأة وانسيه كما ينسى الرجال».. فحتى في النسيان الذي من المفترض أن نجيره لصالح المرأة نجد أن الرجل في رأي كاتبتنا أتقنه أكثر من المرأة. 

ومع متعة الكتاب والإبحار في طياته، وجدت أن مشكلتي الأخرى مع النسيان لم يستطع أحد حلّها إلا أجندتي الالكترونية التي بدأت بالرنين معلنة موعد رحلتي إلى الوطن بعد ساعات قليلة.   


تعجبني مقولة إليزابيث باتيبسكو: الروعة تتجلى في أولئك الذين لا يتذكرون ما يعطون ولا ينسون ما يأخذون. 

 

 

الدكتورة خولة الكريع
رجل و امرأة
رامي العلي
مي بدر
اميرة الفضل
سهير القرشي
مها الشلبي
خولة الكريع
رامي العلي


 

SRMG | منهج الخصوصية | الشروط و الأحكام | إتصل بنا | نبذة | وظائف | إعلانــــات Twitter  Facebook
Designed by SUM TECH Copyright © 2009 HIA Magazine. جميع الحقوق محفوظة