لا نريد قوانين تفرق بين المرأة والرجل وإنما تشريعات تخفف العبء عن كتفيها حتى نوقف التسرب الوظيفي

 

 

قابلتها خلال ملتقى قيادات الإمارات، الذي عقدته "مؤسسة دبي للمرأة" برعاية الشيخة منال بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة المؤسسة لتكريم الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التجارة الخارجية، بمناسبة تصنيفها كأقوى شخصية نسائية عربية ضمن قائمة 100 شخصية في العالم من قبل مجلة "فوربس" الأمريكية. والملتقى، الذي يعقد كل سنة واحدة، من أهدافه إتاحة الفرصة للقياديات الناجحات، ليقدمن معرفتهن وخبراتهن، لتستفيد منها النساء الأخريات. ولم يكن صعباً عليً أن أدرك بمجرد حديثي مع شمسة صالح أنها، ولا شك، واحدة من هذه القياديات الناجحات. فمسيرتها المهنية تدعو إلى الإعجاب، وفكرها الذكي المنظم نموذج يجب أن تحتذي به كل امرأة عاملة تسعى إلى تحقيق ذاتها، وخدمة بلادها، والنجاح مهنياً. ولأن أسلوب تفكيرها وخبرتها في المجال الاستراتيجي هو الذي شدني أصلاً للحديث معها، فقد كان سؤالي الأول لها عن رؤيتها لاستراتيجية المؤسسة، بعد أن تقلدت منصب المدير التنفيذي لها مؤخراً، خصوصاً أنها كانت قبل ذلك تشغل منصب مديرة الاستراتيجية والتطوير، ومن ثَم فقد شاركت بدور كبير في وضع خطتها الاستراتيجية. فقالت:

- الهدف الرئيس والرؤية العامة للمؤسسة هي دعم وتمكين المرأة العاملة الإماراتية، 

وتشجيع وتسهيل مشاركتها في المجالين المهني والاجتماعي. فمن خلال عدد من المحاور تسعى المؤسسة إلى تقديم الاقتراحات والتوصيات للمشرعين في ما يتعلق بالسياسات التي تساعد المرأة الإماراتية على إقامة التوازن بين حياتها المهنية والأسرية، وزيادة تأثيرها في المؤسسات والمجتمع، من أجل خلق تصور إيجابي عن المرأة الإماراتية المشاركة في كل المجالات، وتقديم الخدمات في دبي، لتلبية الاحتياجات المتعددة للمرأة، من أجل تحقيق حياة أفضل ومشاركة مستدامة لها في الحياة الاقتصادية. كما أطلقت ملتقى قيادات الإمارات، كمنصة لتبادل الأفكار ونتائج الأبحاث، وطرح التجارب وقصص النجاح الملهمة ضمن استراتيجيتها، لدعم المرأة العاملة، وتعزيز مكانتها وقدراتها لتقوم بدور فاعل في المجتمع. وأنا أسير على الرؤية والتوجه نفسهما. ولكن أسعى إلى أن تبرز إقليمياً ودولياً، وليس محلياً فقط. وإن كانت هذه أيضاً رؤية المؤسسة، حيث تسعى إلى المنافسة دولياً، لتأخذ مكانة متفوقة في التقارير العالمية لسد الفجوة بين الجنسين، وتعريف العالم بالمكانة التي وصلت إليها الإماراتية.

 

استراتيجية جديدة

* ما هو أهم ما يدور في المؤسسة حالياً؟ أو ما هي أحدث خططها نحو تحقيق هذه الأهداف؟

- خلال الأسابيع المقبلة ستطلق الشيخة منال رئيسة المؤسسة الخطة الاستراتيجية الجديدة. وخلال السنتين الماضيتين حققنا الكثير من الإنجازات. ففي محور التوازن مثلاً تبنينا مشروع الحضانات في مقر العمل. وهدفه دعم المرأة العاملة، والتقليل من التسرب الوظيفي للنساء، وتوفير البيئة المناسبة في العمل، لمساعدة المرأة على تحقيق التوازن بين البيت والعمل. وبدأنا بالدوائر الحكومية في دبي. وحالياً تم توقيع اتفاقية مع وزارة شؤون الرئاسة لإنشاء حضانة في أبوظبي. وهذا المشروع بدأنا فيه بتقديم الاستشارات للدوائر الحكومية في كيفية وضع المعايير للحضانات، وتدريب كوادر وطنية للعمل فيها. وحققت المؤسسة كثيراً من أهدافها، فقد أسهمت في القضاء على البطالة في بعض التخصصات، وقللت من التسرب الوظيفي للنساء.

* تحقيق التوازن مسألة صعبة، فكيف تمكنتِ من تحقيقه على مستواك الشخصي؟

- التوازن ليس قضية محلية، وإنما هو قضية عامة في كل أنحاء العالم. وهو شيء ضروري ومطلوب، سواء كانت المرأة ربة بيت أم عاملة. وأنا أم وزوجة وامرأة عاملة، ولهذا فهو مطلوب مني بشكل أكبر. أما كيف أحققه؟ ففي البداية لدي شيئان، الأسرة وهي واقع مفروض لا خيار لي بتركها. أما العمل، فإما أن أتركه أو أن أوجد توازناً بينه وبين أسرتي. وأنا اخترت تحقيق التوازن بأن أحرص على قضاء الوقت المناسب مع أسرتي، والباقي في عملي. والوقت المناسب لا يحسب بعدد الساعات، وإنما بنوعية هذا الوقت، وما أفعله أو أحققه خلالها.

والسؤال هو كيف نستغل الوقت، سواء الذي نقضيه مع الأسرة أو في العمل، أفضل استغلال له هو أن يكون مثمراً. فحسن استغلال الوقت هو مفتاح النجاح. وكذلك نوعية البدائل التي أوفرها لطفلي خلال غيابي عنه، فمثلاً يمكن إلحاقه بمركز للتعليم المبكر، فهذا يفيده أكثر من تركه مع الخادمة في البيت. فتحقيق التوازن يكون بإيجاد معادلة تضمن حسن استغلال الوقت.

* من أهداف المؤسسة توصيل صوت المرأة إلى الجهات العليا، فما الذي تفعله لتحقيق ذلك؟

- الفئة التي تستهدفها المؤسسة هي المرأة العاملة، ولهذا قمنا بعمل دراسة على النساء العاملات في الدوائر الحكومية في دبي، وأرسلنا استبياناً إليهن، لمعرفة نوع التشريعات القانونية الجديدة التي يحتجن إليها، أو تلك التي هي في حاجة إلى تغيير أو تعديل. وتبين أنه في مجال الطفولة والأمومة، وأيضاً بالنسبة إلى تحديد ساعات العلم، يحتجن إلى قوانين جديدة. ونحن لسنا جهة تشريعية، ولكننا نقترح على الجهات التشريعية، أي نوصل إليها رغبات المرأة. وهكذا اقترحنا قانون إجازة الوضع والأمومة، وهو الآن قيد الدراسة. ونحن نعمل على تقديم اقتراح ساعات العمل المرنة للمرأة، وسنطلقه قريباً.

* الإمارات تفخر بأنه ليس فيها أي نوع من التفرقة في العمل بين المرأة والرجل. أليس إصدار قانون بساعات عمل مرنة للنساء فقط يعد تفرقة بينها وبين الرجل؟

- نحن لا نريد قانوناً يميز بين المرأة والرجل، ولكن يجب أن نكون واقعيين، ونعترف بأن تقاليدنا وظروفنا الاجتماعية تجعل المرأة تتحمل مسؤوليات البيت والأسرة، وتطالب بأداء وظيفتها بمستوى لا يقل عن زميلها الرجل، الذي لا يتحمل سوى مسؤوليات وظيفته فقط. وساعات العمل المرنة خيار موجود في قانون الموارد البشرية، ولكن تنفيذه يترك لصاحب العمل. والمؤسسة لا تفصل بين الرجل والمرأة، ولذلك حين عرضنا قانون الأمومة قدمنا اقتراح إجازة الأبوة للرجل.

لا نريد قوانين تفرق بين المرأة والرجل، وإنما نريد قوانين تسهل على المرأة القيام بوظيفتها المهنية مثل الرجل، وتقليل العبء عن كتفيها، حتى لا تضطر إلى الاختيار ما بين أسرتها ووظيفتها. علينا أن نعترف بأن ساعات العمل المرنة تحتاج إليها المرأة أكثر من الرجل حتى نوقف التسرب الوظيفي، فهو لا يعاني من مشكلة ازدواج المسؤولية في البيت والوظيفة، الذي تعاني منه المرأة. فيمكنها المشاركة في الوظيفة مع امرأة أخرى، بحيث تعمل كل منهما الساعات المناسبة لظروفها. أو القيام بمهام الوظيفة من البيت بالاستعانة بالكمبيوتر وشبكات الاتصالات. وهو شيء يتم تنفيذه فعلاً في شركات كثيرة حول العالم

* هل تعتقدين أن نظرة المرأة إلى العمل اختلفت عن السنوات السابقة؟

- بالتأكيد، فالبنت حالياً بعد تخرجها في الجامعة لا تبحث عن عمل في مراكز الإدارة العليا، كما كانت في الماضي مع بداية دخولها الدراسة الجامعية. اليوم تبحث عن عمل تبدأ فيه من أول السلم، لتكتسب الخبرة. أصبحت تفهم أهمية التدرج الوظيفي. فالعمل بالنسبة إليها أصبح له هدف تحقق فيه نموها الذاتي، وليس مجرد مظهر للتفاخر الاجتماعي، كما كانت تراه في الماضي، خصوصاً بعد أن اتسعت مجالات عملها في الدولة، وتغيرت نظرة المجتمع، وثقافته تجاه عمل المرأة، وأصبح ينظر إلى ما تحققه من إنجازات، وليس إلى الوظيفة التي تشغلها.

 

نسعى إلى الأفضل

* هناك توجه من الدولة لتوسيع رقعة العمل بالنسبة إلى المرأة، والمؤسسة تستهدف المرأة العاملة، فما هي رؤيتكم بالنسبة إلى هذا الموضوع؟

- نعم الدولة منذ تأسيسها لديها توجه بإقحام المرأة في سوق العمل. واليوم نسب وجود المرأة في الأعمال المختلفة عالية، مقارنة بالسنوات الماضية. ونحن راضون عن ذلك، ولكننا نسعى إلى الأفضل. ولهذا لا يكفي تواجدها في سوق العمل، وإنما نسعى إلى زيادة مهاراتها المهنية والقيادية، حتى لا تركز اختياراتها في مجالات محدودة، بل يمكنها دخول كل أنواع الميادين.

* وماذا تقوم المؤسسة من أجل تحقيق هذا التوجه؟

- لدينا دورات للتطوير المهني تعقد كل 3 أشهر. وقدمنا برنامج تطوير القيادات النسائية منذ سنتين، فنحن لا نريد أن تدخل المرأة كل المجالات المختلفة فقط، وإنما نهيئها لتولي المراكز القيادية. وخلال الملتقيات التي تعقدها المؤسسة، نقدم للنساء تجارب لقيادات نسائية ناجحة، ليكنَ مصدر إلهام، وحافزاً لهن مثل الملتقى الأخير، الذي تحدثت خلاله الشيخة لبنى القاسمي، وزيرة التجارة الخارجية عن مشوار نجاحها، وما تعلمته خلاله من دروس.

* وأنت ما هي الدروس التي تعلمتِها خلال كل مرحلة في مشوارك المهني؟

- في البداية كان أهلي لهم الدور الكبير في رسم معالم شخصيتي. كان أبي داعماً لي يعطيني الثقة بالنفس، ويشركني في اتخاذ القرار منذ طفولتي. وكان التحاقي بجامعة زايد مرحلة مهمة، وأشعر بالفخر، كوني خريجة من هذه الجامعة. كنا أول دفعة تلتحق بها، ومن ثَم واجهتنا التحديات، ولكن الدعم الذي جاءنا من إدارتها، بقيادة الدكتور حنيف حسن، وزير الصحة الآن، وكان مدير الجامعة في ذلك الوقت، والذي برؤياه وتوجيهاته تخطينا كل الصعاب. وأصبحنا ونحن أول دفعة لجامعة زايد ننافس دفعات قديمة من الجامعات الأخرى. علمتنا الجامعة ليس التعليم الجامعي فقط، وإنما أسلوب الحياة أيضاً، وكيف نكافح في الحياة.

بدأت بعد تخرجي في تخصص تكنولوجيا المعلومات أعمل في مدينة دبي للإعلام والإنترنت. كانت لدي رغبة في أن أخوض المجال الفني، ولكن المدينة كانت في بدايتها تستقطب شركات الإنترنت، وهذا كان عملنا. لم يكن ذلك ما هدفت إليه، لأنه ليس عملاً فنياً، ولكنني لم أرغب في ترك الوظيفة، لأنني رأيت في المدينة المستقبل، فقررت أن أغير مساري، والتحقت بقسم الاستراتيجية. وتعلمت الكثير من مديريَّ، خصوصاً عبد الحميد جواد، المدير التنفيذي، الذي كان يحدثني، ويشرح لي بالساعات يومياً ما هي الاستراتيجية، وكيفية تطبيقها. كانت تلك الفترة تعليمية مهمة، كما أرسلوني إلى بعض الدورات التدريبية خارج الدولة، وهو ما أكسبني مهارات وخبرات جديدة. كان عملي مع الإدارة، حيث أقوم بتحضير تقارير الأداء، ووضع الاستراتيجية معهم. شاركت في وضع استراتيجية أول نسخة من "مهرجان دبي السينمائي الدولي"، و"مدينة دبي للإستديوهات"، وبرنامج الرسوم المتحركة (فريج). وكلها مشاريع ناجحة أفخر اليوم بأنني كنت جزءاً منها.

* ماذا تعلمتِ من وضع الاستراتيجيات؟

- تعلمت كيف أنه من الضروري أن تكون لدى الإنسان استراتيجية على المستوى الشخصي، وهدف حتى لا يسير في الحياة بطريقة عشوائية. وفعلاً وضعت لي استراتيجية وهدفاً، والحمد لله، حققت بعض أهدافي قبل الوقت المحدد في خطتي الاستراتيجية. فالنجاح لا يحدث بالمصادفة، وإنما بالجهد والرغبة، وشدة التعطش للوصول إلى الهدف.

خطوتي الثانية كانت في "المركز المالي العالمي" و"بورصة دبي العالمية"، حيث تعلمت كيفية وضع الاستراتيجية للقطاع المالي، وهو قطاع أكثر صعوبة يختلف عن قطاع الإعلام

قادتني المرحلة الثالثة من مشواري المهني إلى "مؤسسة دبي للمرأة" سنة 2008، إذ تلقيت عرضاً بالعمل بها كمديرة استراتيجية، وكنت في ذلك الحين كنت قد تزوجت حديثاً. وعندما اضطلعت على محاور عمل المؤسسة وأهدافها فكرت فوراً أنها المكان الذي يجب أن أحقق فيه هدفي الشخصي، وهدف المرأة التي هي مثلي. فتحمست للوظيفة، رغم أنها لم تكن تحمل ما يجذبني مادياً أو وظيفياً فالمنصب هو نفسه، ولكن المفهوم كان مختلفاً.

واليوم أشعر بفخر كبير بما حققناه من إنجازات خلال السنتين الماضيتين، مثل المشروع الوطني للحضانات، والتشريعات التي اقترحناها مثل الحمل والولادة، وساعات العمل المرنة، والملتقى ربع السنوي للمؤسسة، وبرنامج القيادات النسائية. ونعمل حالياً على اقتراحات بتشريعات أخرى سنعلن عنها بعد إعلان رئيسة المؤسسة للاستراتيجية الجديدة.

* بمشاركتك في وضع الاستراتيجية لـ"مؤسسة دبي للمرأة" تسهمين في وضع خطة لعملها. فكيف ترينها خلال السنوات المقبلة؟

- إذا ما قارنا عملها قبل سنتين واليوم، نجد أنها تخطو إلى الأمام بسرعة تدعو إلى الفخر. فالإمارات حصلت على المركز الأول عالمياً في إغلاق الفجوة بين الجنسين، تبعاً للتقرير الذي يصدر سنوياً من الملتقى الاقتصادي العالمي. والمركز الأول في تقرير التطور الإنساني. وأرى بعد سنوات المرأة الإماراتية تتبوأ مناصب الصدارة في هذه التقارير، وأرى صورتها تنتقل من المحلية إلى العالمية. اليوم فازت الشيخة لبنى القاسمي بأنها أقوى امرأة عربية، وأريد غداً أن تقدم الإمارات 10 مثل لبنى القاسمي. أريد أن نحقق المركز الأول في كل التقارير العالمية، بمساعدة "مؤسسة دبي للمرأة". 

* وضعت استراتيجية خاصة بك، فما هي خطواتها؟ وأين ترين نفسك بعد 5 سنوات؟

- أنا راضية حالاً عما حققته، ولكن خطتي أن أكمل دراسة الدكتوراه، فهذا الهدف كان موجوداً أصلاً، ولكنني أجلته بسبب انشغالي بالعمل، ثم الزواج والإنجاب. وبالنسبة إلى التطور المهني أطمح إلى أن أكون في أي منصب، أو دور يخدم المرأة في دولة الإمارات أو إقليمياً