كلايف كريستيان الرجل وراء العطر الأغلى في العالم

لقاء السيد "كلايف كريستيان"Clive Christian الرجل وراء الدار البريطانية المسماة باسمه كان تجربة ولا أروع. هذه العلامة التجارية مثال الترف والرفاهية اللذين يعبر عنهما السيد كريستيان في تصرفاته وأخلاقه.
هذا المبتكر المشهور في إعادة إحياء صناعة العطور البريطانية التقليدية في العالم، والذي يسعى دائماً إلى أن يكون "الأفضل" قدم "رقم 1"No.1 العطر الأغلى في العالم. كما ابتكر قارورة "رقم 1 الجلالة الإمبراطورية" No.1 Imperial Majesty  للجامعيين، المصنوعة من أجود أنواع البلور المرصع عند العنق بماسة بعيار ثلث قراريط، والتي تحتوي على 16 أونصة من عطر "رقم 1". وقد زين هذا العطر الاستثنائي مختلف الأحداث والمناسبات الرفيعة المستوى، مثل الاحتفال بذكرى اليوبيل الذهبي للملكة إليزابيث الثانية.

كما تقدم الدار عطري "1872" و"إكس" X للرجال والنساء. وفي ظل التسويق المحموم والنزعة التجارية في العالم، من اللافت اعتماد دار "كلايف كريستيان"Clive Christian على عطورها الثلاثة منذ أكثر من عشر سنوات. وها هي الآن تطلق عطرها الجديد للرجال والنساء "سي" C من مجموعة كلايف الخاصة.

ولهذا السبب تحديداً جاء السيد كريستيان إلى دبي من أجل تقديم عطر "سي" C للمستهلكين في الشرق الأوسط، بالتعاون مع موزعيه المحليين "باريس غاليري"Paris Gallery . التقيته في غرفة "هونغ كونغ" في "نادي كابيتال كلوب" في مركز دبي المالي العالمي DIFC، حيث قال لي بعد أن عرفته إلى مجلتنا، "أخبرتني ابنتي فيكتوريا عن المجلة. أخبرتني أن جميع السيدات البارزات في الإمارات يقرأنها". فجاوبته بابتهاج: "هذا أمر مدهش سماعه، لكن قارئاتنا لسن فقط من الإمارات، بل أيضاً من السعودية والكويت وقطر ومختلف الدول العربية".
إليكم تفاصيل اللقاء المشوق الذي أشعرني بأني أرد على أسئلة أكثر مما أسأل، ظننت قبل المقابلة أنني سأكتسب بعض المعلومات عن العطور، لكنني تعلمت أيضاً الكثير عن كيفية اختيار الزوج المثالي واختيار العطر المثالي له.
كان لا بد من أن أسأله أولاً عن أكثر ما يبهره في عالم العطور. وبعد صمت قصير، عاد وسألني السؤال، "لا أظن أن هناك شيئاً مدهشاً أو مبهراً في صناعة العطور. ما هو برأيك أنت المبهر في هذه الصناعة؟".

لم يكن لدي الوقت الكافي للتفكير، فجاوبت بسرعة "التحول السحري الذي يشهده الشخص حين يضع عطره المفضل. والطريقة التي تنشأ فيها العلاقة العاطفية بين الإنسان وعطره وتوقه إليه".
"حسناً، لطالما كان لدينا هذا الشيء"، قال "كلايف". "نحن كشركة نعتبر هذه الأمور أساسية وجوهرية. أكثر الإطراءات التي تحصل عليها عطورنا تكون حين ترش على البشرة؛ نادراً ما أستعمل هذه (أشار إلى أوراق تجربة العطور). فعطورنا تكشف عن ذاتها على البشرة، لأنها طبيعية جداً. لكن هل يدفعها ذلك لتثير اهتمامي؟ لا أعتقد. فلو لم تفعل ذلك، لما كانت جزءاً من شركتنا".

بعد سماع هذا الجواب الواثق الذي يعبر عن نزاهة هذه العلامة التجارية، سألته عن المراحل التي يمر بها العطر قبل أن يولد آخذة عطر "سي" مثالاً.
"عطر (سي) جزء من مجموعتي الخاصة، ولدي مئات العطور في هذه المجموعة. يتطلب العطر تقريباً سنتين ليتكون، ويجب أن تمتلكي فلسفة للعطر تترجم نفسها في سياسة. وحين تتكون السياسة، تطلبين من العطارين إحضار هذه العطور إليك، ثم تبدئين من حوالي 100 عطر وتخفضين وتخفضين".

أخذت على حين غرة عندما سألني كلايف "هل أنت متزوجة؟" فجاوبت بطريقة آلية "لا". فتابع: "كم مرة أحببت؟"، فكان ردي "ولا مرة". فسألني متعجباً: "لا أحد؟". فشرحت: "هذا غير موجود في مجتمعنا".

" إذاً هذا يجعل من الصعب ابتكار العطور. في مجتمعنا، يخال إلينا أننا نحب أكثر من مرة، ونبحث عن الحبيب الذي يجمع كل المواصفات التي نحلم بها. عليه أن يكون خلوقاً وطويلاً وذكياً، وحين تجمعين هذه الأمور في العطر، ربما تصلين إلى 6 عطور تختلط مع بعضها، ليولد العطر الذي تبحثين عنه. عطر (سي) كان العطر الأخير بعد اختيار 6 أو 7 عطور نهائية، وعاد إلى العطارين الذين صقلوه".

سألته بفارغ الصبر: ما هي الإرشادات التي أوصيتهم بها؟
ما أوصيناهم به في النهاية اختلف كثيراً عما طلبناه منهم في البداية. العطر من مجموعتي الخاصة، ويجب أن يكون عطراً بارزاً مميزاً يكرر الفرح والقوة اللذين يعبق بهما عطر "إكس" للنساء.
حين تجربين عطر "إكس" للنساء، وبعده عطر "سي" للنساء، تلاحظين القوة المماثلة التي يشعرانك بها. نبدأ دائماً العمل على النسخة النسائية من العطر ونتفق على نفحات الورد والياسمين، التي ركزنا عليها كثيراً في عطر "سي".
كانت مهمة صعبة أن نأتي بجديد بعد 12 سنة من إطلاق ثلاثة عطور للرجال وثلاثة للنساء، ولا شيء بعدها. وبما أن العطور الستة كانت كلها ناجحة، كان من الصعب أن نطلق الآن عطرين جديدين.

"نعم، تتعلق المسألة بسمعتك". فقال: "طبعاً، قد يدمر كل شيء، مثل اختيار الزوج الخطأ، وهو ما قد يغير مجرى حياتنا".
ضحكت لهذه المقارنة قائلة: "من الواضح أنك تعطي للعائلة أهمية كبرى". فطرح السؤال وجاوب بنفسه: "نعم فهل هناك ما هو أهم من العائلة؟ الأهم في هذه الحياة هو العائلة والصحة وامتلاك الهدف".

ما هي المواد الخام التي تفضلها؟ فاجأني كلايف مرة جديدة بسؤاله: "في العطور أم العالم؟" فجاوبت تلقائياً: "طبعاً في العطور"، ثم تمنيت لو سألته عن الاثنين.

"كما قلت لك سابقاً، الورد والياسمين موجودان في كل عطورنا. في عطر (سي) للرجال أدخلنا للمرة الأولى العود الهندي، لكن المادة المفضلة لدي لعطور الرجال هي الزعفران التابل الأغلى في العالم. وإذا عدنا في التاريخ إلى إنجلترا في عهد الملك هنري الثامن، لعلمنا أن الزعفران كان من التوابل الأهم حينذاك، وكانت إساءة استعماله مخالفة كبيرة".

بعدها سألته عن أكثر عطوره رواجاً في المنطقة، فأخبرني أن كل العطور جذبت الزبائن الأوفياء أنفسهم، وتمتعت بشعبية كبيرة في المنطقة. وهذا ما دفعني لسؤاله عما إذا صار ذوق المستهلكين معولماً، أم أن أذواق الناس تختلف باختلاف المناطق.
"أعتقد أن هناك تأثيرات محلية، وإذا كان التأثير كبيراً فإنه يتحول إلى ظاهرة عالمية. زبائني عالميون ويسافرون كثيراً. بالنسبة إلى العلامات التجارية الرفيعة المستوى والعالية الجودة، الأمر لا يتعلق بالموضة، بل بالرقي والكلاسيكية".

بما أن كلايف كريستيان يجسد الروح البريطانية، ويميل حكماً إلى الأسلوب البريطاني، سألته هل يستوحي من ثقافات أخرى؟
"يعود المرء دائماً إلى جذوره وأصله وبيئته. في عالم التصميم، يتأثر المبتكر حكماً بما يرى وبما يعيش فيه. أستوحي دائماً من موسكو المميزة بقوتها وتاريخها القاسي؛ وفي حين أنها مدينة ناجحة الآن، فإنها تحتفظ بقوة توسعية فظة. وقد ذكرتني بماضيَّ في نيويورك.
في ما يخص الأماكن، أحب مدينة دبي التي سافرت إليها بمناسبة افتتاح فندق برج العرب قبل نحو 11 عاماً. وها أنا أعود إليها الآن فيغمرني شعور أحبه جداً؛ كونت دبي هويتها الخاصة، وأعتبرها قوة نابضة بالحياة. تأثرت بما سمعته من كلام هنا وبما رأيته، مثل الأعمال الفنية الجميلة هنا في مركز دبي المالي العالمي، تأثرت بدبي.
أفهم الآن وأحب الحياة العربية، فهي تدور حول العائلة، وتتميز برقة كبيرة وروعة أثرت فيَّ كثيراً بعد أن أمضيت فترة هنا. سأحمل دبي في عقلي وقلبي.

س ما رأيك بالطريقة التي تمزج نساء المنطقة فيها العطور؟ فهن لا يضعن عطراً واحداً، بل يخلطن بين عطرين أو ثلاثة لخلق عبير فريد.
ج إذا أردت رأيي، فأنا أنصح المرأة بعدم مزج المنتجات. فمن الأفضل أن تستخدم مثلاً أنواعاً من الصابون خالية من العطر قبل رش عطر من كلايف كريستيان، وإذا أرادت المزج، فلتخلط عطور كلايف كريستيان فقط.
فأحياناً تفرطين في وضع الطعام على مائدتك أو في خلط القطع في طلتك. يكفي أن ترشي عطراً واحداً أو اثنين كحد أقصى من عطور كلايف كريستيان.
أنصحك بتجربة عطري "إكس" و"سي"، لكن دون مزجهما. إذا وضعت غداً عطر "إكس" و"سي" مع عطر "1872"، فسترين نتيجة مختلفة. وجربي بعد غد عطر "رقم 1"، لأنه فعلاً رائع وراقٍ.

س من المعروف أن عطوركم مصنوعة بطريقة تجعلها تستمر طويلاً على البشرة، وهو ما أعتبره نقطة إيجابية لنساء المنطقة.
ج هذا من حتميات الجودة، فالعطور التي لا تستمر طويلاً ترتكز بشكل كبير على الكحول، وتتبخر بسهولة، لكن عطورنا طبيعية وتتشربها البشرة.

"ما هو مصدر إلهامك؟" يوجه السؤال إلي: "ما هو برأيك أنت مصدر إلهامي؟"، فجاوبت بسرعة: "الفن والتاريخ والثقافة والروح البريطانية!".
قال ضاحكاً: "لم يكن هناك داعٍ لمقابلتي، كان بوسعك أن تكتبي كل الأجوبة بنفسك. الميول الفنية تولد مع المرء. وإذا ولد الإنسان مولعاً بالفن وخلاقاً، فسيتأثر بكل ما هو مرئي وشمي وملموس وعاطفي، فهناك الكثير للاستيعاب. أعتقد أن التأثير الأكبر في أعمالي كان للثقافة، من موسكو التي تحدثت عنها ونيويورك والثقافة العربية أيضاً. بعد الثقافة، تضيفين المرئي والشمي. التحدث معك يختلف كثيراً عن التكلم مع شخص من موسكو مثلاً. أعتبر الثقافات الموجودة في العالم نقطة الانطلاق، وكلما ازداد اهتمامك بثقافة معينة، ازدادت قدرتك على اكتساب الخبرات الحسية منها".

س قلت مرة إنك قائد الأوركسترا أي دار "كلايف كريستيان"، وإن عملك يقتضي التأكد من انسجام جميع منتجاتها من قطع الأثاث إلى العطور. فكيف تحافظ على هذا التناغم؟
ج عليك التأكد من تناغم العمل بينك وبين الحرفيين في مختلف المجالات. إما أن تملكي هذه القدرة، أو لا تملكينها. أعرف أنه بإمكاني مثلاً تعلم العزف على الكمان، لكنني أفضل أن أشرح للعازف كيف أريد للكمان أن يتناغم مع باقي الأوركسترا. إنها موهبة.

س هلا وصفت لنا شخصيتك في 3 كلمات؟
ج (بعد تفكير عميق) سأرد على السؤال لاحقاً.

س أخبرنا أكثر عن العطر الفريد "رقم 1".
ج متسم بالاحترام، هذه العبارة الأولى التي أصف بها شخصيتي. هكذا أصنف نفسي. حين تفهمين الفنان أو الخزاف أو العطار، لا تتوطد العلاقة إلا إذا احترمتِه. أنا من دون شك شخص يحترم غيره. (اختار كلايف أن يعطيني الكلمة الأولى التي تصف شخصيته قبل الرد على سؤالي عن "رقم 1").
حين ابتكرنا هذا العطر، كانت أسعار العطور مقيدة ومحصورة، وأردت التخلص من ذلك. أردت أن أطير بأسرع طريقة ممكنة، لكن ليس تجارياً. أعطينا العطار الحرية المطلقة لخلق عطر لا يهم كم سيكلف؟ ولا كم سيدوم؟ ولا إن كانت ستتوفر المكونات العام المقبل. كان همنا الوحيد أن يتمتع العطر بالنقاء المطلق، وقدر العطارون ذلك كثيراً، لأننا احترمناهم واحترمنا حسهم الإبداعي. وعادوا إلينا بعطر باهظ جداً.
ترددنا في البداية، لكننا رصعنا القارورة بماسة، وأطلقنا العطر في السوق، معتبرين أننا ابتكرنا شيئاً جميلاً، وإن لم يبع. والقصة تحكي نفسها من هنا. مازال العطر يحقق مبيعات ناجحة، فاستنتجنا أن الناس يريدون كل ما هو فائق الجمال.

س مع لائحة بالإنجازات التاريخية، ما هي اللحظة الأبرز في حياتك المهنية حتى الآن؟
ج لا يمكنني تحديد لحظة معينة. كنت أهتم كمصمم ديكور بالشكل والبنية، لكنني مع العطور صرت أركز على الروائح. الانتقال من الحقل المرئي إلى الشمي كان تغييراً كبيراً بالنسبة إلي ومغامرة، وهو ما يدل على الصفة الثانية لشخصيتي، وهي أنني مستعد للمجازفة. لست مجازفاً، لكنني مستعد للمجازفات المدروسة.

س ما هو سر نجاحك؟
ج جوابي يتمثل في الناحية الثالثة من شخصيتي، وهي اهتمامي بالتفاصيل، والأشخاص المحيطون بي يهتمون أيضاً بالتفاصيل، ويتأكدون من أن كل شيء خالٍ من العيوب.   

اشتهر كلايف كريستيان أولاً كمصمم ديكور مع المطبخ ذي الطابع الفيكتوري مع الثريا في الوسط، فكان لا بد من أن أسأله عن ديكور منزله.
أملك في إنجلترا منزلاً عمره 300 عام. فيه بعض من مفروشات "كلايف كريستيان" وبعض قطع الأنتيك والزجاج والمعادن. حين تملكين منزلاً حديثاً، وترشين فيه أحد عطور "كلايف كريستيان"، يتحول إلى منزل قديم ذي عراقة وأصالة. لكن منزلي قديم بالأساس، ولا يحتاج إلى عراقة.

سألته أخيراً عن الرسالة التي يريد توجيهها إلى قارئاتنا وكل محبي العطور في المنطقة.
"استمتعن بعطر (سي) للنساء. في منزلي في إنجلترا، لدي حديقة مليئة بآلاف الورود البيضاء، التي تذكرني بهذا العطر. وأنصح السيدات بإهداء أزواجهن عطر (سي) للرجال. ففي دارنا، نبتكر عطورنا معاً، نبدأ دائماً بالعطر النسائي والعطر الرجالي يتممه".

جربت عطر "سي" للنساء الذي يتميز بقارورة كهرمانية اللون كتحية إلى أصول صناعة العطور، حيث كانت كل العطور المصنوعة في أوائل القرن التاسع عشر تحت حكم الملكة فيكتوريا ذات اللون الأخضر أو الكهرماني. سحرني عبيره الغريب واللذيذ والمعقد والراقي والمفعم بأريج الأزهار. ومع مكونات هذا العطر الطبيعية، استمتعت بشرتي بهذا الشذا المفعم بالأنوثة، وقد استمتعت ببقية يومي، وأنا أحلم وأطير وأغوص في عالم من الأزهار الرقيقة والناعمة.

أعتقد أن الجملة المكتوبة على شعار النبالة على القارورة من الكلية الملكية للأسلحة تحت النظام الملكي الفيكتوري تختصر كل شيء: "في الأفكار والأفعال الشريفة، يوجد المجد"Fax Anini Honestae Gloria .