قارئة الفنجان(1)

 ريم عبد الغني

ريم عبد الغني

  أتفق مع الكاتبة الأمريكية إليزابيت جيلبرت حين قالت في كتابها "الأكل.. الحب.. الصلاة"، إن كل من يعبر في حياتنا مرسل لهدف محدد، إما لنكتشف قدرتنا على العطاء، أو لامتحان قدرتنا على التسامح، أو ربما لتفجير موهبة كامنة. وهذا ما يجعلني أتساءل كلما عبر طيف ناديا في خاطري.. لماذا مرت هذه السيدة في حياتي إذا؟ مضى أكثر من عام على آخر مرة رأيتها، وكم يحز في نفسي أنني لم أعرف يومها أنه وداعنا الأخير. لكن هل كانت هي تعرف أنه وداعنا الأخير؟ وأنها لن تعاود "رحلة الصيف والشتاء" بين صوفيا ودمشق التي اعتادتها إحدى عشر سنة؟ طالما اقتنعتُ أنها تعرف كل شيء، تلك السيدة البلغارية التي ذهبت باكرا، ورغم أنها عاشت بيننا أكثر من عقد من الزمان، لكني الآن فقط أدركت أنه في حمى الركض والتفاصيل المرهقة، لم يتح لي أن أعرف حقا من كانت ناديا. أستعيد في ذاكرتي ملامحها الجميلة، كانت ناديا ممشوقة كاسمها، عيونها تموج بالحنان والغموض، ابتسامتها الواثقة تعكس كبرياء سيدة لم تك يوما امرأة عادية. من كانت إذا؟ سؤال يعاودني كلما اعتقدت أنني نسيته. لا أقصد بسؤالي عملها المعروف كخبيرة علاج فيزيائي، واحتلالها المكان الأقرب للرئيس جيفكوف رئيس بلغاريا لمدة عشرين عاما، وهي مهنة مهمة في بلغاريا "أرض المعمرين"، التي تشتهر بمناخها الصحي، وينابيع مياهها المعدنية، وشواطئها الرملية الواسعة على البحر الأسود، والعلاج الطبيعي في المنتجعات الصحية، ولا سيما بالملح والطين الكبريتي. بل سؤالي حول ما كانت هذه السيدة تعمله في الحقيقة، ما كانت تعرفه وتحفظه من أسرار، وهي التي التقت مئات الشخصيات المهمة في حياتها قرب رئيس بلغاريا. كيف لم أفكر أبدا في هذه الأسئلة منذ عرفتها أول مرة؟ أما كيف عرفتها، فالصدفة أو لنقل القدر، ألم أقل في بداية حديثي إن لكل شيء سببا؟ أو ربما كان الحظ، ألم تردد مرارا وهي تبتسم، بلغتها العربية المهشمة "أنت حظ ناديا"، كانت تعتبرني تميمة حظها. قدر أو صدفة أو كائن ما كان اسمه، فقد جمعنا على العشاء ذات ليلة من عام 2000م بسفير بلغاريا في دمشق، والذي كان يوما سفيرا في عدن، وسأله زوجي عمن عرفهم في صوفيا من الأصدقاء القدامى؟ وعما آل إليه حالهم بعد التغيرات التي حدثت في أوروبا الشرقية، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وحدثنا السفير سمساروف المتورد الوجه الأبيض الشعر، بصوته الجهوري الذي يتناسب مع ضخامة جثته، عنهم واحدا بعد الآخر إلى أن ذكر ناديا، تكلم بمرارة عن ظروفها الصعبة، وفاة الرئيس جيفكوف بعد عزله ببضعة سنوات بقيت فيها ناديا وفية له، مصرة على زيارته رغم المضايقات التي تعرضت لها بسببه، ثم موت زوجها المفاجئ إثر صدمته بخسارة كل القليل الذي امتلكاه، ووجدت ناديا نفسها فجأة في حضيض الصفر، لا زوج ولا عمل، لا مستقبل، ولا شيء، اتصلنا بها هاتفيا وهكذا حين اعتقدت ناديا أن الدنيا أغلقت جميع أبوابها، تلقت دعوة من رئيس عرفته قبل 15 سنة زائرا لبلغاريا، ولم تتخيل أنها قد تلتقيه ثانية بعد تغير خريطة العالم ورحيل رئيسها وصديقه جيفكوف، وانهيار عالمها المفجع، ما أغرب القدر. دعوناها لتقيم بيننا كصديقة ومعالجة ومرافقة، وهكذا كانت على مدى إحدى عشر سنة، متنقلة بين سوريا وبلغاريا، تعيش بيننا بهدوء كفرد من الأسرة، تلبس ثيابا نظيفة متواضعة، شعرها القصير البني المحمر تصففه بنفسها حول وجهها الأبيض، في حزن عينيها العسليتين الكثير مما لم يكن لدي الوقت لأعرفه، ولا أعتقدها كانت لتفصح عنه لو سألتها. وفي أقل من عام، بذكائها الوقاد، ورغم أنها يوم أتت لم تكن تعرف كلمة عربية واحدة، تعلمت ناديا المفردات العربية التي تحتاج إليها في التواصل مع المحيط، مجهزة على قواعد اللغة، كانت تتكلم بلغة مكسرة ومحببة نفهمها ونتندر بها، ونتغامز حين تمد يدها مصافحة، وهي تبذل جهدا لتردد كتسجيل صوتي مشروخ، أنا.. اسمي.. ناديا. كانت تتصرف كدبلوماسية من طراز رفيع، بتهذيب وأدب واحترام، لذا كانت ترافقني في معظم الزيارات الرسمية أو الدعوات المهمة، وفي الوقت ذاته لم تكن قادرة على الجلوس دون عمل، لذا كانت تشغل نفسها بأي عمل حين تكون في البيت، وتسترق الفرصة حين تسنح لها لتسحب كرسيها إلى طرف الحديقة، تلاحق حزمة من ضوء الشمس لتستلقي داخلها بسعادة، ففي وطنها البارد يفتقدون نعمة الدفء. كان كتابها دائما تحت إبطها، ولا شك في أن القراءة وخبرة الحياة علماها الكثير، لكنها كانت متواضعة، وقليلا ما تتحدث، وإن فعلت فعن ابنها الرسام، وحفيدتها المراهقة، وأمها التي مازالت في الثمانين محتفظة بجمالها وحبها للحياة، تماما كما يوم كانت راقصة باليه معروفة، قبل نصف قرن. الصدفة البحتة هي التي جعلتني أكتشف إحدى مهارات ناديا، ويبدو أني "عرفت شيئا وغابت عني أشياء". ماذا اكتشفت؟ هذا ما سأخبركم عنه في العدد المقبل. خاص بـ هي ريم عبد الغني حرم الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر محمد رئيسة مركز " تريم للعمارة والتراث " [email protected]