أفلام مهرجان الجونة

أفلام مهرجان الجونة 2023.. تجارب استثنائية وجوائز مستحقة

رامي المتولي
24 ديسمبر 2023

وضعت الظروف المحيطة عدد كبير من الفعاليات السينمائية في موقف صعب، ما بين التأجيل والإلغاء من جانب وإقامتها من جانب آخر، حيث قاوم صُناع مهرجان الجونة السينمائي في دورته السادسة هذه الظروف، ومع إقتراب نهاية عام 2023 أصبح الوقت ملائمًا لإقامة هذه الفعالية الهامة بعيدًا عن موعدها المعتاد وقبل استقبال عام جديد تحل معه التحضيرات لدورة جديدة، لذلك، كان مساء  الخميس الماضي في مدينة الجونة وعلى مسرح البلازا يومًا سينمائيًا يحمل الكثير من الأمل والفرحه لعدد كبير من صُناع الأفلام ممن فازت أعمالهم بجوائز المهرجان وقبلهم الصُناع من دول العالم ممن عرضت أعمالهم على مدار 7 أيام بدأت من 15 وحتى 21 من الشهر الجاري، ومثل أيضًا لصُناع المهرجان العبور بالدورة لشاطئ النجاح بعد التحدي الكبير الذي حملوه على عاتقهم منذ تأجيل المهرجان عن موعده.

انطلاق الدورة السادسة للمهرجان بـ"60 جنيه"

حفل افتتاح المهرجان جاء بسيطًا لم يخلو من بعض الإشارات السياسية بلا مظاهر احتفالية كبيرة قدر ما كانت احتفالية سواء بالأفلام السينمائية أو مهنة مثل فن "الكلاكيت" وغيرها من المهن المتعلقة بالصناعة، واختتم الحفل بعرض أحدث أفلام المخرج عمرو سلامة الروائى القصير "60 جنيه" والذي حاول من خلاله أن يعكس الترجمة البصرية للحالة الشعورية لمجتمع الأغنية التي تحمل نفس عنوان الفيلم لمطرب موسيقى الراب زياد ظاظا، وهو أيضًا بطل الفيلم لكن محاوله عمرو سلامة لم تحظى بالتوفيق وخرج العمل مشوهًا فلا استطاع أن يكون فيديو كليب لأغنية قادر على المنافسة في مشهد الراب المصري، ولا أن يكون فيلمًا متماسكًا ينافس أو أن يكون على قدر افتتاح مهرجان سينمائي كبير في حجم مهرجان الجونة.

فيلم "60 جنيه"
فيلم "60 جنيه"

أول مشاكل الفيلم تتلخص في كونه يعتمد على سيناريو ضعيف جدًا لم يستطع أن يخلق حالة التواصل والتعاطف مع شخصياته أو حتى الوقوف ضدها كمشاهدين، لم نعرف من نلوم هل الابن القاتل أم العم الراغب في الانتقام أو الأم الصامتة القاتلة بدورها أو الأخ العاجز، فالشخصيات كلها سطحية قرر المخرج أن يفرد مساحات أكبر لمقاطع الاغنية عوضًا عن رسم الشخصيات وتقديمها بشكل لائق للمشاهد، ليبدو الفيلم وكأنه خواطر مراهقة يتأثر بها المخرج أثر سماعه للأغنية دون أن تحمل قيمة حقيقية يتحدث هو عنها بمنتهى الحماس، لكنه لم يسعى بشكل جاد أن ينقل هذا الحماس للجمهور وربما تكون هذه واحدة من أبرز مشاكل عمرو سلامة في أعماله، على الرغم من اختياراته الجيدة لفريق العمل وحسن إدارته للممثلين، لكن تظل دائما هناك أزمة التواصل كبيرة بينه وبين المشاهد لأعماله، حيث دائما ما يفقد البوصلة ويغيب استمرار التعبير عن الفكرة الرئيسية طوال مدة العمل، في النهاية يتشتت عمله ويتشتت معه المشاهد وكثيرًا ما يتكرر السؤال أين يذهب هذا الفيلم! ومع اختلاف الأدوات ما بين العمل على فيلم روائي طويل وقصير ظهرت هذه المشكله بقوة في فيلمه الأخير والأحدث "60 جنيه".

أفلام مهرجان الجونة
أفلام مهرجان الجونة 2023

البداية الغير قوية لمسابقة الفيلم القصير في مهرجان الجونة انعكست بشكل كبير على المسابقة ككل وأفلامها العشرين والتي وصل عدد الأفلام المصرية والعربية فيها لأكثر من الربع ومستواها الفني ما بين متوسط وضعيف، خلافًا لما كانت عليه المسابقة في الدورات السابقة للمهرجان، حيث يتميز بشكل كبير في مجموعة الأفلام العربية والمصرية الست المشاركين في المنافسات الفيلم الفرنسي اللبناني "يرقة" الفائز بجائزة أفضل فيلم عربي، والفيلم التشيكي اللبناني "ملح البحر" مع رؤية مشتتة لصناع الأفلام الآخرين وفي مقدمتهم الفيلم المصري "حتى نلتقي" والمشابه في بنائه لحد كبير لفيلم الافتتاح حيث يعبر عن مشاعر شديدة الذاتية للمخرجة جهاد علم الدين دون أن تعمل على بناء جسور التواصل بين الفيلم والمشاهد لإستكشاف طبيعة هذه المشاعر ويتفاعل معها، زاد من هذه الحالة الاعتماد الكامل على مشاهد تعبيرية حيث اختارت المخرجة أن تتواصل مع المشاهدين بالكتابة على لوحات سوداء في أسلوب شديد التقليدية في التواصل، ساهم لحد كبير في فقدان التواصل مع الفيلم المعتمد على مشاعرها الشخصية بالفقد، والتي لم تظهر بشكل كافي في الفيلم وبشكل شديد السذاجة، مما يطرح التساؤل عن تواجد مثل هذا الفيلم في مسابقة رسمية لمهرجان كبير على الرغم من افتقاده للمقومات بالتواجد في هذا المكان، فهو لا يتعدى كونه تمرين بسيط يقدمه أي طالب سينما في أحد المعاهد المتخصصة.

أفلام الدورة الـ6 من مهرجان الجونة
أفلام الدورة الـ6 من مهرجان الجونة

نفس الشيء ينطبق على الفيلم المصري "ربيع يوم عادي" والذي بنت مخرجته منه إكرام عقدة الفيلم الأساسية على فستان لا تتناسب قياساته مع قياسات الفتاة المقرر أن ترتديه في إحدى الحفلات المدرسية التي تشارك بها، على الرغم من أن باقي زميلاتها يرتدين فساتين مناسبة لقياستهم بشكل طبيعي دون أن تظهر أي مشكلة، لذلك تبدو مشكلة الفيلم الرئيسية غير منطقية، فهناك العديد من المشاهد تظهر طالبات أخريات بفساتين قصيرة ومناسبة دون أن يتم انتقادهم، ومع اقحام مشاعر مفتعلة قبل نهاية الفيلم تتوتر العلاقة بين الطالبة والراهبة المشرفة عليها في المدرسة، مما يفقد الفيلم تماسكه ويزيد من ضعفه الفنى بسذاجة المعالجة ولى عنق الدراما لتسير في اتجاه محدد اختارته المخرجة دون أي منطق.

تتجلى المشكلة الأكبر في أحد الأفلام الفائزة بجوائز المهرجان وهي جائزة نجمة الجونة البرونزية للفيلم الأرجنتيني القصير "اليوم الموعود" والذي يتعامل مع قضية الانتحار بشكل يجعل من اختيار أي شخص فقدان حياته هو شيء عادي ومدعوم من المقربين حوله، الفيلم عبارة عن حوار مطول بين صديقتين في البدايه لا نفهم ما الذي يرميان إليه، لكن مع اقتراب نهايته نكتشف أن البطلة ترغب في الانتحار وتساعدها صديقتها على ذلك، دون أن يكون في هذا الحوار أي أسباب قوية قد تدفع الشخصية الرئيسية إلى الانتحار، والتعامل مع الأمر بشكل طبيعى وعادي يجعل من الفيلم قاسيًا جدًا ويسير في اتجاه دعم قرارات الانتحار دون محاولة مساعدة الشخص الذي تسيطر عليه هذه الفكرة.

أفلام الدورة السادسة من مهرجان الجونة
أفلام الدورة السادسة من مهرجان الجونة 

المسابقة الدولية.. أفلام جيدة ولكن!

تضم المسابقة الدولية 15 فيلمًا من عدد كبير من الدول بجودة فنية عالية وتنوع في الموضوعات والأنواع الفيلمية بدأ معها الفيلم المصري الوحيد بينهما وهو "آل شنب" للمخرجة آيتن أمين كالخروف الاسود بطابعه التجاري الواضح والغير مناسب تمامًا للتواجد وسط افلام تغلب عليها الصبغة الفنية حصل بعضها على جوائز عالمية هامة ويقف وراءها مخرجين بأسماء لامعة، حيث لم يحصد الفيلم المصري إلا السخرية بوجوده وسطهم، بينما حصد الفيلم السوداني "وداعًا جوليا" للمخرج محمد كردفاني جائزة جديدة تضاف لرصيده وهي جائزة سينما من أجل الإنسانية (جائزة الجمهور) وسط توقعات كبيرة قبل إعلان الجوائز بفوزه أيضًا بجائزة أفضل فيلم عربي والتي ذهبت في النهاية إلى الفيلم العراقي "سعادة عابرة".

ومقارنة بين الفيلمين تتفوق العناصر الفنية في الأول عن الثاني بداية من السيناريو مرورًا بالمونتاج وإدارة المخرج للممثلين، وكذلك ارتباط الفيلم بالواقع حوله ففيما ذهب "سعادة عابرة" للتعبير عن مشاعر امرأة تعاني علاقتها الزوجية من الجفاف العاطفي ووجدت بعض الدفء في فعل عرضي فرضته ظروف ركوبها الدراجة البخارية خلف زوجها، حيث اعتمد الفيلم على الدفعات الشعورية الموجهه للمشاهدين للتعاطف مع الشخصية الرئيسية، وكذلك الأداء التمثيلي لبطلته التي تمثل للمرة الأولى، والتى حصدت جائزة أفضل ممثلة في المهرجان في مقابل رؤية أكبر وأوسع للواقع السوداني قبل انفصال جنوبه عن شماله وبأداء تمثيلي مبهرًا أيضًا من فريق عمل معظمه لم يمثل من قبل.

أفلام مهرجان الجونة
أفلام مهرجان الجونة

هناك فرق كبير بين الجوائز الممنوحة في المسابقة الدولية في مقابل جودة الأعمال المتنافسة وكأن لجنة التحكيم الدولية اختارت من البداية الابتعاد عن منح الأفلام الحاصلة أو المشاركة في منافسات المهرجانات السينمائية الكبرى أي جوائز، في مقابل منح التجارب المختلفة والمغامرات السينمائية جوائز مهرجان الجونة لعام 2023، يظهر هذا بوضوح مع فيلم "سعادة عابرة" الذي تدوب خلاله الفوارق والفواصل بين الوثائقي والروائي، بالإضافة إلى مغامرة المخرج سينا محمد في عمله الأول، وحصد الفيلم المنغولي "لو أمكنني الغرق بسبات" على جائزة أفضل ممثل بعد أن شارك في منافسات قسم "نظرة ما" في مهرجان كان والمعني بإلقاء الضوء على صُناع السينما الصاعدين، وكذلك الحال مع الفائز بالبرونزية الفيلم البرازيلي "درب غريب" الذي حصد جائزة أفاق من مهرجان سان سباستيان وعدد من جوائز مهرجان ترايبيكا وكلاهما يركز على التجارب المختلفة والصاعدة في الصناعة وإلقاء الضوء عليها.

وعلى نفس المنهج حصد فيلم الرسوم المتحركة "كلب سلوقي وفتاة" الجائزة الفضية، وهو فيلم يحمل الكثير من عناصر الجودة لكنه موجه للمراهقين، وحصد جائزة الدب الكريستالي من مهرجان برلين في قسم أجيال وهي جائزة فرعية من جوائز المهرجان، بينما ذهبت الجائزة الكبرى لفيلم من كوريا الجنوبية وهو "في يومنا" وهو الفيلم الذي لم يتواجد في منافسات المهرجانات الكبرى على الرغم من خبرة مخرجه هونج سانج هو، ومشاركته العديد من أفلامه في منافساته.

المسابقة الدولية.. أفلام جيدة ولكن!
المسابقة الدولية.. أفلام جيدة ولكن!

في المقابل هناك أفلام كبرى حظت على اهتمام الجمهور في الجونة ووضح ذلك من خلال امتلاء قاعات العرض بهم أحيانًا في عرضي الفيلم، ويأتي في مقدمتها الفيلم الفرنسي "تشريح سقوط" الحائز على سعفة كان الذهبية بالإضافة إلى الترشح لنيل جوائز النقاد الأمريكيين والجولدن جلوب وسبيرت، والذي تمثل كل جائزة منهم محطة هامة في سباق الجوائز الأمريكي لعام 2024، ويتميز هذا الفيلم بسيناريو يعد الأقوى بين كل أفلام المسابقة بكل الصعوبات والتحديات التي وضعتها المخرجة والمشاركة في تأليف السيناريو جوستين ترييه، في حيث اختارت أن يكون إيقاع الفيلم بطيئًا تسير أحداثه على مهل، وكذلك التعريف بالشخصيات على الرغم من كونه يناقش جريمة وينتقل في معظمه إلى قاعة محكمة قاسية وباردة تتعرض خلاله البطلة لكشف الكثير من أسرارها وطبيعة شخصيتها، ولكي تنجو من الإتهام الموجه لها يجب أن تكشف أدق تفاصيل حياتها وعلاقاتها، واعتماد المخرجة على الاثارة جاء فقط من عناصر الحوار والأداء التمثيلي والمونتاج، بالإضافة إلى اختيارها أيضًا أن يكون زمن الفيلم متخطيًا الساعتين بنصف الساعة وهي صعوبة أخرى ترفع من أسهم الفيلم فنيًا، والذي على الرغم من المدة الزمنية الطويلة والإيقاع البطيء إلا أنه خرج متميزًا ومشوقًا ودافعا للمتابعة.

الأفلام الأخرى التي كانت تحظى بفرص كبيرة في الفوز استنادًا على التقدير العالمي لها فيلم "دوجمان" من إخراج لوك بيسون والحاصل على الأسد الذهبي من مهرجان فنيسيا و"مايو ديسمبر" من إخراج تود هاينز المرشح لجوائز الجولدن جلوب والنقاد وسبق منافسته في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، وكلاهما معتمد على سيناريو قوي وطابع فني غالب والكثير من التواصل مع الجمهور باللغة السينمائية بتفوق، وذلك على الرغم من اختلاف طبيعة التعبير والموضوعات في الفيلمين، لكن التأثير القوي الذي خلفه كلاً منهما في الجمهور يؤكد على جودة صنعهم وتفوق العناصر الفنية فيهما بشكل واضح مقارنة بباقي الأفلام في المسابقة.

الأفلام الوثائقية الطويلة.. تفوق فني وجوائز في محلها

ضمت مسابقة الأفلام الوثائقية 12 فيلمًا منهم أربعة أفلام عربية حصد أثنان منهما جائزتي أفضل فيلم آسيوي (نتباك) وهو من "عبدول إلى ليلى" وحصد فيلم منشطات أفضل فيلم عربي واتفقت أراء أعضاء اللجنة الرسمية ولجنه إتحاد النقاد (فيبريسي) على منح الفيلم الألماني "هوليود جيت" جائزة الإتحاد ونجمة الجونة الذهبية، وذلك لحساسية الفيلم وصعوبة صناعته حيث عايش المخرج إبراهيم نشآت جماعه طالبان لمده عام، بعد تحولهم من ميليشيات إلى جيش نظامي عقب جلاء قوات الولايات المتحدة الأمريكية عن افغانستان، ومن خلال فيلم نتابع قائد القوات الجوية مولوي منصور وأحد ضباطه للتعرف أكثر على طبيعة جماعه طالبان من خلال متابعتهم، وذلك من خلال دق ناقوس الخطر بعد نجاحهم في إصلاح الإليات العسكريه والإستفادة بما تركته القوات المسلحة الأمريكية في المجمع العسكري المسمى "هوليود جيت" والذي كان يعتقد أنه مقر للمخابرات الأمريكية مما منحهم في النهايه قوة عسكرية، يهددون بها جيرانهم نظرًا للإختلافات السياسية والعقائدية فيما بينهم، الفيلم يعتمد بشكل رئيسي على المادة المصورة من قبل مخرجه، لكن بنائها بهذا الشكل يوضح حجم المخاطرة التي خاضها والمواد الفنية المصورة بدون معرفة الجماعة الإرهابية يكشف لحد كبير أسلوب المخرج في بناء الفيلم، وبينما هو يصور تحت إشرافهم لغرض دعائي كان يرسم الفيلم في رأسه، ويختار لقطاته لتخرج الصورة النهائية لا تحتاج كثيرًا لتفسيرات، فأعضاء الجماعة يتحدثون عن أنفسهم وتظهر طبيعتهم بشكل واضح لا يحتاج إلى الكثير من الجهد لفهمه دون أن يبرئ السياسة الأمريكية من تعاظم خطرهم.

الجودة الفنية وشعار المهرجان الثابت (سينما من أجل الإنسانية) كانا عنوان برمجة أفلام هذا القسم في المهرجان، والتنوع الكبير سواء جغرافيًا أو في طبيعة الأفلام التي تناقش أبعادًا سياسية وبيئية وتاريخية واجتماعية تؤكد على ذلك، حتى السينما فنها كانا ممثلين في المسابقة من خلال الفيلم الجزائرى "زينات، والجزائر، والسعادة" للمخرج محمد الطراش والذي يحمل بين طياته أبعادًا أكبر وأعمق من مجرد مشاركة الفنان محمد زينات في أفلام السينما الفرنسية، الإرث وتعاقب الأجيال على نمط حياة محدد بسبب طبيعة المكان ومن يسكنوه كان محور 3 أفلام أخرى من البرنامج هم "إيكو" من المكسيك و"كرورا" من البرازيل والحائز على نجمة الجونة الخضراء، والفيلم اللبناني التونسي "ماشطات" الذي فاز بجائزة الجونة أفضل فيلم وثائقي عربي، ويركز على 3 نساء.. أم وابنتيها يعملن عازفات في حفلات الزفاف التقليدية ومن خلال المعايشة نتعرف على مشاكلهم الإجتماعية وفى الوقت ذاته نقترب من هذه المهنة الآخذة في الاندثار ولا شىء يجعلها تصمد سوى من يتوارثها من الأبناء، لكن ليس هذا هو الهم الوحيد للفيلم بل يكشف أيضًا من خلال شهادات النساء الثلاثة عن وضع المرأة في المجتمع ومشاكلهم الأسرية ومسئولياتهم التي تدفعهم للعمل وتباين رغبات كلاً من الأختين.

 

الكثير من القضايا الإنسانية طُرحت من خلال أفلام المسابقة، لكن أكثرها تأثيرًا على حضور المهرجان كان قضية ريحانة الجباري، الفتاة الشابة التي قضت سنوات شبابها الأولى في السجن الإيرانى وأعدمت وهى لم تتخطى نفس مرحلة الشباب، لمجرد أنها دافعت عن نفسها ضد اغتصابها من قبل مسئول أمني إيراني نافذ، طعنته بسكين دفاعًا عن نفسها، وذلك من خلال الفيلم الألماني "سبعة اشتية في طهران" والذي يصور في بدايته فتاة مدعومة من أسرتها التي تبارك استقلاليتها وبناءها لمستقبلها المهنى، مرورًا بالحدث الذي حول حياتها وجعلها تقبع في السجن من عمر 19 سنة وحتى اعدامها متعرضه لمختلف انواع التعذيب والضغط النفسي، لكن الفيلم لا يركز كثيرًا على هذا الظلم الواقع قدر ما يركز على تحول شخصية ريحانة نفسها والتغير الذي طرأ عليها وعلى أسرتها جراء الحدث الغير إعتيادى الذي تعرضت له.

أفلام مهرجان الجونة 2023
أفلام مهرجان الجونة 2023

حصد الفيلم جائزة نجمة الجونة الفضية مناصفة مع فيلم آخر هو "عدم الإنحياز: مشاهد من بكرات لابودوفيتش" وكلاهما يتبعان نفس منهج البحث تقريبًا من مخرجتيهما وذلك على الرغم من إختلاف الموضوعين، صاحبة "سبعة أشتية في طهران" شتيفى نيدرزول تملك القليل جدًا عن ريحانة تصل مواردها إلى عائلتها والنساء الذين ساعدتهم خلال فترة سجنها، لكن ريحانة نفسها غير موجودة لذلك جاء حلها الإبداعي في أستخدام مذاكرتها التي كتبتها خلال فترة سجنها لنقل مشاعرها غلى المشاهدين عن طريق التعليق الصوتى، ورسم صورة كبيرة لها من خلال شهادات أفراد عائلتها ومعارفها دون أن تغفل أيضًا عن ذكر ورسم صورة الطرف الآخر في المعادلة وهو عائلة المغتصب وجهاز الشرطة الإيراني مرورًا بوضوع وشكل السجون هناك.

نفس المعضلة واجهتتها صاحبة شريك الجائزة وهى المخرجة ميلا توراجليتش التي سعت لرسم صورة كبيرة لجهود الرئيس جوزيف تيتو وزياراته لدعم منظمة عدم الإنحياز والتى دُفن تاريخها وتاريخ دولة يوغسلافيا كلها بعد التفكك، من خلال شاهدها على العصر المصور المصاحب لتيتو، ستيفان لابودوفيتش، وعن طريقه وبمساعدته تعيد إكتشاف التاريخ المخفى.

فيلم "عدم الإنحياز: مشاهد من بكرات لابودوفيتش"
فيلم "عدم الإنحياز: مشاهد من بكرات لابودوفيتش" 

في النهاية كانت الدورة السادسة لمهرجان الجونة إستثنائية في طبيعتها قدمت لضيوف وجمهور المهرجان عدد كبير من الأفلام، تركز افضلها في مسابقة الأفلام الروائية والوثائقية والقسم الرسمى خارج المسابقة الذي عُرض من خلاله أحدث أفلام المخرج الفرنسى لادج لى "المنبوذون" وعدد آخر من الأفلام المزينة بجوائز عالمية إلى جانب البرنامج الخاص الذي ألقى الضوء بشكل مقرب على السينما الفلسطينة والسودانية إلى جانب الاحتفاء بالمخرجة الفرنسية أنييس فاردا.