بدرية البشر: الرجل في رواياتي ليس بطلا

بدرية البشر

بدرية البشر

غراميات شارع الاعشى

غراميات شارع الاعشى

هي – أسماء وهبة بدرية البشر روائية سعودية، رسمت لنفسها مسارا خاصا لا يشبه أحدا سواها. تأخذك في نصوصها الأدبية خارج الزمن، فيتلاشى الوقت بين أطياف أبطال رواياتها وحكاياتهم، لنجد أنفسنا من دون سابق إنذار أمام واقع يشبهنا مليء بالسخرية اللاذعة التي تبكينا على ما وصلنا إليه وفي الوقت عينه نفتخر بإنجازات وانتصارات حققناها. بمعنى آخر، نجحت بدرية البشر في أن تجعل صفحات رواياتها صورة مصغرة عن الـ"نحن" النسائي الجمعي بهمومه ودموعه وفرحه. وهذا ما سيجده القارئ في روايتها الأخيرة "غراميات شارع الأعشى" التي تحدثت عنها في هذا اللقاء مع "هي": عند قراءة رواية "غراميات شارع الأعشى" نجد تداخلاً بين الإنساني والعاطفي والاجتماعي، فكيف يمكن أن تكون "عزيزة" بطلة العمل وسيلة للبحث عن معنى الذات في مواجهة انفعالاتها؟ نحن نفكر ونتصرف بطريقة تتأثر بما حولنا. تحلم "عزيزة" بعالم أكثر رحابة من منزلها. ولا تجد صورة تشرح لها كيف يكون العالم أوسع وأزهى وأمتع إلا من خلال الأفلام المصرية التي تشاهدها في التلفزيون، فتكتشف أن هناك نهرا وباعة ملبس، وأناس تتمشى وتشتري التسالي وتمرح وتحب، فتشعر أن حياتها بالمقابل فقيرة وباهته. لكنها تستعين على فقرها بإقامة مسرح صغير فوق سطح منزلها كي تتسلى مع صديقاتها، حتى تعيد هذا العالم عبر الغناء والرقص والضحك. في هذا المشهد مثلا تعبير عن فتاة سعودية تعيش في حارة السبعينات في الرياض ضمن سياقها الأجتماعي في حين تشكل مشاعرها الحضور الانساني الذي يفكر ويتأمل ويتأمل ويحلم. لماذا حصل أبطال الرواية الرجال على أدوار ثانوية؟ هل أردت بذلك التأكيد على حضور اللغة الأنثوية شكلا وموضوعا؟ الرجل في رواياتي ليس بطلا، لأنني اركز أكثر على بطلات نساء يعشن في السعودية. والرجل عادة في بلادي حضوره محدود في حياتهن مهما كان دوره، فالأب مراقب من بعيد والأخ كذلك، أما الزوج فينجح في العلاقات التقليدية في صنع مسافة بينه وبين زوجته، لأنه غالبا مع الأصدقاء وفي العمل. ويجب ألا تنسي الفصل بين الجنسين الذي يجعلك إذا أردت الكتابة عن النساء فسيكون دور الرجال ثانوياً في حياتهن. قد يرى البعض عند قراءة الرواية أن موقفك من الأصوليين والمتشددين فرض نفسه على الشخصيات من خلال تسطيح الرجل المتدين "سعد". هل يحق للكاتب أن يفرض رأيه الشخصي السياسي- الإجتماعي أو الثقافي على عمله؟ الأصولي المتشدد الذي يحضر في رواياتي - هو كما أراه – ضحية. لقد صورت شابا تائها. يجتهد في البحث عن هويته. وفي مجتمعنا ليس أمام المراهق خيارات متعددة. لا بطولة في المسرح، ولا في الموسيقي، ولا في معامل المدارس العلمية، ولا في الرياضات المتعددة. يجد البطولة في المشاجرات، أو بين الجماعات الدينية المتشددة التي تملأ وجدانه بفكرة الجهاد وقتل الكفار والبحث عن عدو يتشاجر معه، فيعيش من خلال هذا الصراع بطولة زائفه. وهذا ما يتورط فيه الشاب في رواياتي، لأنني أفتش عن بطل لديه عقدة روائية، فيجري التركيز عليه أكثر من الشاب المسالم. التشدد حين يكون طريقا اجتماعيا أتعاطف معه وأفهمه وأشفق عليه. لكن التشدد الذي ترعاه مؤسسة تلاحق الناس في الشوارع وتفرض عليهم وصاية أخلاقية فهذا لايجد عندي أي تعاطف بل احتج عليه. الكتابة عن الحياة التي نعيشها ليست موقفا سياسيا، بل دفاعا عن الفن والتفكير الحر اللذين يشكلان صلب العمل الإبداعي. أنت صحافية وتكتبين مقالات في عدة صحف . فكيف توفقين بين الصحافة والأدب، خصوصا أن أكثر الأدباء يشتكون أن عملهم الصحافي يحرضهم على ارتكاب خيانات في حق عطائهم الأدبي؟ حاولت أن أوفق على مستوى الوقت بأن تفرغت للكتابة. فبعد عشرين عاما لم أجد ما يسعدني ويفهمني ويحقق لي ذاتي سوي الكتابة فتزوجتها زواجا لا طلاق منه. أما على مستوى الخيانات بالعيش في مكانين بين الصحافة والأدب فقد حدث هذا بسبب أن الأدب في بلادي لايزال قليل الجمهور. لذا دخل الأدباء مجال كتابة الرأي الصحافي، لأنه وسيلة هامة للتخاطب مع الناس والاقتراب منهم ومحاورتهم. لذلك يشتري الناس رواياتي، وتلقى رواجا بسبب وصولي لهم عبر الصحافة. وأظن أن هذا قدر خاص نضطر إليه ونختاره. لماذا المرأة هي محور رواياتك دون الرجل وكأنك تؤكدين على فكرة الأدب النسوي الذي تحاول الكثيرات نفيه من قاموس التصنيفات الأدبية؟ الأدب النسوي ليس تهمة كي ننكرها. هو أدب ينحاز للتعبير عن النساء وهمومهن. وحين تعبر امرأة عن عالمها النسوي فهذه ظاهرة طبيعية، لأنها في المحصلة النهائية تعبير إنساني. وأظن أنها تهمة عنصرية عندما تقول أن المرأة لا تكتب إلا عن النساء فقط. هل سمعت أحدهم يتهم الرجل بأنه يكتب عن الذكور فقط جاعلا الإناث عنصرا ثانويا في روايته؟! ويجب ألا تنسي صعوبة الأمر في المجتمعات التي تعيش فصلا عنصريا بين النساء والرجال. إذا أردت أن أكتب عن النساء في بلادي فلا وجود لهن في الشارع. ولن تجدي الرجل في المدارس ولا الجامعات ولا الأُفراح. كل المشاهد ستكون نسائية، إلا إذا وجدت قصة حب، وساعتها سيكون من حسن الحظ أن تجدي الرجل، ليكون لسان الحال هو: أخيرا هناك رجل!