الشيخ الأخضر يروي لـ«هي» قصة تحوّله من ملوّث إلى مدافع عن البيئة: علينا حماية البيئة فكلنا نتشارك الهواء نفسه والمياه نفسها والأرض نفسها

 

استكمالاً للمبادرة التي أطلقناها، العام الماضي، والتي تقوم على تعريفكم بالشخصيات والقضايا، التي تعمل على دعم بيئة مستدامة لنا وللأجيال القادمة، التقينا الشيخ عبد العزيز بن علي النعيمي، المعروف بـ"الشيخ الأخضر" Green Sheikh. وهو من العائلة الحاكمة لإمارة عجمان، ورئيس اللجنة التوجيهية للمبادرة العالمية نحو عراق مستدام كما أنه مستشار قطاعات عامّة وخاصّة وأكاديمية في الشؤون البيئية. فاز بجوائز كثيرة عن أبحاثه، وقدم إليه عمدة ميامي مفتاح المدينة. إضافة إلى بعثته إلى القارة القطبية الجنوبية، التي تشاركها مع قرائنا في مقال نشر في عدد ديسمبر / كانون الأول 2010، قد أقام “الشيخ الأخضر” الكثير من المشاريع المتعلقة بقضايا البيئة. نذكر منها مشروع “المجلس العالمي للبيئة – 10/10/10 – دعوة للاحتفال بالحلول المناخية”

 Global Environment Salon 

 – A Call for Celebration of Climate Solutions الذي كان من بين متحدثيه البارزين “روبرت سوان” Robert Swan، الرائد العالمي في الشؤون البيئية، و”دافيد دو روثشيلد” David de Rothschild المقاتل البيئي. 

التقيناه في مجلس قصره في عجمان، حيث أخبرنا كيف تحول من ملوث إلى حارس للبيئة، وأطلعنا على أهمّ التحديات البيئية التي تواجه المنطقة. إضافة إلى دعمه للقضايا البيئية، يشارك بانتظام في مبادرات تشجيع الشباب. 

متى وكيف بدأ اهتمامك بالبيئة؟

موضوع البيئة دخل إلى حياتي من دون أن أدركه، فحبّ الطبيعة انتقل إليّ من والدي الذي كان يربّي الصقور، كصيّاد صقور، كان يعرف أسراراً كثيرة تعلمها خلال حياته وسفره في الصحراء. فالناس الذين يعيشون في الصحراء يتكيفون دائماً مع الطبيعة. تعلمت منه بشكل مباشر وغير مباشر حين رافقته في رحلات الصيد. وطلبت منه أن يعلمني الصيد، لكنه لم يعلمني يوماً، بل طلب مني فقط المراقبة. قال لي مرّة: "أنت طفل، وأمامك طريق طويل، أمامك مستقبل مختلف وحياة مختلفة، أنا أدرّب الصقور، لكن أريد منك أن تكون الصقر بذاته". 

لم أفهم وقتها ما كان يقوله لي، لكن بعد وفاته في العام 1990 حين كنت في الرابعة والعشرين من عمري، أدركت أن هناك صقراً في اللاوعي ينتقل تدريجياً إلى إدراكي. درست الهندسة الكيميائية والبترولية، وقد شاهدت التلوّث الهوائي والنفايات وأشكال التلوث المختلفة خلال دراستي وعملي. فأدركت أن هناك رسالة لي. وهكذا تحوّلت من ملوّث إلى مدافع، وأعتبر هذا تحقيقاً لحلم والدي بأن أكون صقراً، أي أن أحدث فرقاً. 

بدأت التأثير في المجتمع في العام 1996، حين أسهمت في منظمات غير حكومية، وساعدت أشخاصاً مختلفين، وعملت على نشر الوعي، وألقيت محاضرات. 

بعد هذا التغيّر في وجهة نظرك، عدت إلى الجامعة لدراسة العلوم البيئية، وحصلت على دكتوراه في النظم الإيكولوجية الصناعية. 

أعطتني هذه الدراسات والابحاث نظرة مختلفة، وساعدتني على توسيع معرفتي وانخراطي أكثر فأكثر بالقضايا المحلية والعالمية.

كرّرت أيضاً مرّات كثيرة في وسائل الإعلام العالمية أنّ تعاليم الإسلام هي أساس اهتماماتك البيئية. فهل تشاركنا بعضاً من هذه التعاليم التي شجعتك؟

هذه التعاليم كانت أيضاً قوة دافعة، فالله خلقنا لعبادته ولبناء وحماية وتأمين العدالة الاجتماعية. القرآن يذكر بوضوح أنّ الإنسان في هذه الأرض خادم أو مؤتمن أو خليفة. هناك ثلاثة مبادئ في تقاليد الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم: الوحدة، والأمانة، والثقة.

يتطرّق القرآن كثيراً إلى الأرض والسماء والمياه. كما تذكر سورة الروم في الآيتين 41 و42 كيف أنّ الناس يرتكبون أعمال الفساد والإفساد. 

وقد ورد ذكر الاستهلاك مراراً في القرآن الكريم، وتحديداً استهلاك المياه والغذاء. والله عزّ وجل يأمرنا أن نأخذ الأقل، ونستهلك بحكمة.

ما أهم التحديات البيئية التي تواجه المنطقة؟

من أكبر التحديات تغيير السلوك، فالناس مازالوا يستهترون بالأمور. المنطقة العربية بطيئة في العمل في ما يخص المشكلات البيئية، بينما الغربيون ناشطون جداً في هذا المجال، ويلعب الرأي العام دوراً حاسماً في رسم السياسات البيئية. 

في منطقتنا ليس سهلاً التواصل مع الناس، وليس هناك المنشآت اللازمة لالتقاء بهم وسماع رأيهم، لهذه الأسباب نرى كل هذه الحوادث البيئية تجري في العالم العربي. ونلاحظ الآن أن بعض الدول تتحرك باتجاه إشراك الناس في الشأن البيئي. إذا شئت لمجتمعي أن ينعم بالتنمية، عليّ أن آخذ الرأي العام في الاعتبار. لا أستطيع أن أعتمد ما يريده الرأي العام كلياً، بل إيجاد توازن بين ما تريده الدولة وما يريده الناس من ناحية العدالة الاجتماعية، والتعليم، والرعاية الصحية، نحتاج إلى مستوى مقبول ومعتدل من التفاوض والتشاور. 

ما الخطوات التي تقوم بها لترويج المسائل البيئية على مستوى النشء الجديد؟

قيادة الشباب، وإلهامهم وتوعيتهم حول التحديات التي يجب أن يتصدوا لها، ويحملوها على أكتافهم، فهذه القضية لا تعني فقط هذا الكوكب، بل البشر الذين يعيشون على سطحه. 

من المهم تعليم الاستدامة، وتعليم الشباب روح القيادة، ليصبحوا صانعي قرار غداً، أو مهندسين، أو معلّمين، أو عالمين، أو يشغلوا أي منصب يحبّون، شرط أن يستخدموا الحد الأدنى من الموارد، ويفكّروا في البيئة والاستدامة. هذا التفكير أساسي عند توليهم قيادات وبناء حياتهم المهنية. فحين يصبحون قادة، سيكونون أشخاصاً رائعين في حماية الكوكب. 

هل أنت راضٍ عن مستوى التعليم البيئي في المدارس؟

ليس بعد، فهناك الكثير الذي يجب فعله في هذا المجال. أوّلاً، علينا البدء بالمدرسة بحد ذاتها ونظامها وهندستها: هل الأنوار فيها صديقة للبيئة؟ هل المبنى «أخضر»؟ 

ثانياً، هل المعلّم مدرك للقضايا البيئية؟ إذا لم يكن كذلك، فلن تصل الرسالة إلى الطلّاب. يمكن لكل أستاذ أن يعطي نصائح بيئية، حتّى أستاذ أو معلم التربية الإسلامية يمكنه ذكر الموضوع. فهل تعرفين أنّ الجامع «الأخضر» أو الصديق للبيئة الأوّل بناه الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، قبل 1432 عاماً؟ نستورد الآن المباني الخضراء من الغرب، لكنّ المباني الصديقة للبيئة تعني استعمال تراثك ومواردك الطبيعية.

بما أنّك ذكرت هذا الموضوع، نستورد من الغرب أيضاً الكثير من الأبحاث، فهل نحن بحاجة إلى مؤسسات بحثية أفضل في المنطقة لاكتشاف حلول محلية للمشكلات البيئية؟ 

أعتقد أننا مازلنا نفتقر إلى البحث والتطوير، وأمامنا طريق طويل في هذا المجال. أخذنا بعض الخطوات اللازمة، لكنّها ليست كافية، ولا تقارن بما وصل إليه الغرب الذي قام بالكثير، وها هو اليوم يبيعنا التكنولوجيا. 

علينا دعم التعليم، عليّ أن أعلم أولادي. ولا أرى أننا نشجع الإبداع عند الأولاد بما فيه الكفاية. باختصار، يمكننا التطور والتقدم كثيراً بعد من هذه الناحية. 

كيف يمكن استعمال الكوارث الطبيعية التي تؤذي كوكبنا كإشارات تحذير تحثّنا على إحداث تغيير والقيام بشيء ما للكوكب؟ 

معظم الناس ينامون ويستيقظون عند حصول كارثة، الأذكياء يأّخذون التدابير الوقائية سواء كانت الأزمة موجودة أم لا، لكن للأسف الاستباقيون قليلون في هذا العالم، ويجب زيادة عددهم. على سبيل المثال، حين أمر الله تعالى النبي نوح أن يبني سفينة، لم يصدّق الناس أن المياه أو الإعصار سيصلان إلى الصحراء. كل هذه الكوارث إشارات صغيرة.

الأضرار اليوم تتوزع على ثلاث فئات: تحت الكوكب، على الكوكب، وفوق الكوكب. فتحت الكوكب، تقع زلازل كثيرة، وهو ما يشير إلى أن بنية الأرض ستتغير. وعلى الأرض، الناس صاروا أكثر عدوانية، وهناك فتن كثيرة. لم نعد نعرف ما هو الصواب، وما هو الخطأ. وأما فوق الأرض، هناك التغيّر المناخي وتدمير «مظلتنا».

استضفت حدث 10/10/2010 في أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي. كيف كانت ردّة فعل الناس؟ 

إنها بداية جيدة وفرصة للشباب. ونعمل هذا العام على 11/11/2011 كنشاط إضافي. لن نتوقف، وستستمرّ هذه المبادرة كل عام. 

كيف يمكننا تقليص بصمتنا الكربونية بشكل يومي؟

الخطوة الأولى هي التشخيص. أنت بحاجة إلى تدوين كل ما تستعملينه يومياً، أي كمّية المياه والطاقة والطعام وغيرها. وإذا ما قمت بحسابات بسيطة، فستصلين إلى استهلاكك السنوي، وهو ما يعطيك بصمتك الكربونية، فعليك التخفيف منها بنسبة 20 بالمائة. بصمتي الكربونية الشخصية هي فقط 37.5 طناً من ثاني أوكسيد الكربون سنوياً. 

هل تعتقد أن على دول الخليج وضع مبادراتها البيئية المختلفة تحت مظلة واحدة لأنها تواجه مشكلات متشابهة؟

إذا كانت تحت مظلة واحدة، فستكون الأمور صعبة، لأنّنا لا نملك روح الفريق الواحد والعمل الجماعي في المنطقة. كما أنه من الجيّد أن تكون المبادرات متفرقة وموزعة، كي يكون هناك تنافس وتحدّ. لكننا بحاجة إلى التعاون الجماعي بين هذه الدول لتنظيم عمل يناسب الجميع. 

أنت مؤسس «مجلس المعرفة والصحة المتكاملة»، ماذا عنه؟

سيتحوّل إلى مبنى مجلس أزرق. سيكون فريداً في العالم، لكنّ المشروع مازال قيد التنفيذ. لست أعلن عنه رسمياً، لكنني أبحث عن الشركات المناسبة لعدم استخدام أي طاقة على الإطلاق من الخارج. إنّه مشروع مستقل وصغير وبسيط وفريد في العالم. يمكن للناس زيارته مرة في الأسبوع، ومشاهدة هذه التجربة، التي يمكن أن يتبنّوها في نمط حياتهم أو المبنى الذي يسكنونه. 

نحب أن نعرف المزيد عن مبادراتك الخيرية، مثل «مركز الإحسان الخيري».

يركز بشكل أساسي على الأمهات اللواتي لم يعد أزواجهن معهن. لدينا 6000 إلى 7000 عائلة مسجلة. نتولى رعاية الأولاد دون السن 81 أو دون ال 81 من العمر، ونزودهم بالعون التربوي والصحّي. 

ونمكن النساء أيضاً لمساعدتهنّ على التحوّل من مستهلكات إلى منتجات. نعلمهنَّ الخياطة والتطريز والحرف اليدوية المنزلية، ونهديهنَّ ماكينات الخياطة عندما يتخرّجن. ونعمل حالياً على ورشة عمل ثانية لتشجيعهنّ على دخول عالم الأعمال أيضاً. 

هل من نشاطات على جدول هذا العام لدعم القضايا البيئية؟

سينظّم حدث في الأوّل من مايو / أيّار في «كلية التقنية العليا في الشارقة» لتشجيع الشباب على التفكير بالاستدامة في مشاريعهم. الشركات الرائدة في الاستدامة ستتفاعل مع الشباب، وتطلعهم على طرق تشجيعهم في هذا المشروع. سألقي خطاباً في هذه المناسبة، كما أنّني مستشار في برنامج الحدث. 

هل لديك منبر يمكن لقرّائنا أن يشاركوا فيه؟

أحتاج إلى أصحاب أفكار ومشاريع تسهم في تحسين المجتمع. يمكنهم مراسلتي عبر البريد الإلكتروني على العنوان 

«[email protected]»، لكن ليس للتحدّث بشؤون الأعمال، بل عن أمر أكبر وأبعد منها. البيئة تتعلق بحياتهم وبصحتهم وثرائهم. كلّنا نتشارك الهواء نفسه، والمياه نفسها، والأرض نفسها. علينا حماية البيئة <

يمكن متابعة آخر أخباره عبر موقع «تويتر» Twitter على @GreenSheikh