الخريطة كما لم تعرفها من قبل

إد بارسونز

إد بارسونز

بقلم: إد بارسونز مختص في تقنية الجغرافيا المكانية بشركة Google لن يقتصر مستقبل الخرائط على مجرد مستندات تحتفظ بها في درج السيارة أو تعاني مشقة استخدامها أثناء السير وسط الرياح أو المطر الشديد، بل أصبحت أدوات فعالة ومريحة يمكنك الاستفادة منها في قضاء شؤونك اليومية. وفي الواقع لن تكون الخرائط في المستقبل بمفهوم "الخرائط" الشائع لدينا الآن، ولكن ستصبح عبارة عن حزم من المعلومات يتم اقتباسها من الواقع الفعلي لتظهر لك عندما تحتاج إليها في شكل رسائل منبثقة تعرض لك أسماء الفنادق التي يزكيها لك أصدقاؤك إذا كنت تريد حجز فندق، أو رسائل تخبرك بأن المقهى المفضل لديك يقدم عرضًا خاصًا على نوع معين من القهوة عند مرورك من أمام هذا المقهى. منذ عقود مضت كانت الخريطة مجرد مستند يرسم حدود البر والبحر ويساعد الناس في فهم العالم من حولهم؛ لقد كانت مجرد مستندات تلجأ إليها عند الضرورة. أما الآن، وبعد أن زاد إيقاع التغيير في العالم، لم تعد هناك حاجة إلى إعداد هذا النوع من الخرائط؛ فالخرائط التي يتم رسمها على الورق تبقى على حالة ثابتة ولا تعكس ما يشهده العالم من تغيرات سريعة ومتلاحقة. أما الخرائط الرقمية التي يتم إعدادها للاستخدام على الشاشات والنشر عبر الإنترنت، فهي تعكس ما يشهده العالم حولنا من تغيرات ديناميكية. استنادًا إلى المعلومات المتوفرة على الويب، أصبحت الخرائط الآن تمثل شيئًا يتجاوز حدود الجغرافيا الطبيعية ليصور كذلك الجغرافيا الاجتماعية والبيئية. ولنأخذ مثالاً على هذا من الواقع الفعلي: تخيل أنك استيقظت صباح الاثنين والذي من المقرر أن تحضر خلاله اجتماع عمل في "الدقي".عند استيقاظك وجدت هاتفك يومض ليعرض لك خريطة باتجاهات القيادة مع الوضع في الاعتبار كذلك حركة المرور وأحوال الطقس الحالية، وبذلك يكون هناك توقع للعوامل المؤثرة على رحلتك. وإذا كانت الحالة المرورية والجوية تسير على ما يرام، فهنيئًا لك 20 دقيقة إضافية على الفراش. وعندما تختار إقران معلومات من تطبيقاتك، مثل التقويم والبريد الإلكتروني، بالخرائط فهذا يعني أنك ستتلقى هذه النصائح المفيدة للغاية قبل أن تطلبها. ووفقًا لهذا السيناريو، تخيل أنك سلكت طريقًا إلى الدقي ووقع حادث في الطريق الذي من المقرر أن تقطعه ولم تكن تخطط لذلك قبل وقوعه، بل لم تكن تعرف أن حركة المرور ستتعطل. وهنا سيبادر جهازك مرة أخرى وسيستعين بالإنترنت لقراءة الأحوال المرورية في الزمن الفعلي ثم يخمن العطل الذي حدث ويحدد مكانك والاتجاه الذي أنت بصدده ثم يقترح عليك مسارًا آخر، وكل ذلك يتم تلقائيًا. على الرغم من أن هذه التكنولوجيا مدعومة بخدمة الخرائط الرقمية، ليس من الضروري أن يكمن حل المشكلة في عرض خريطة لك (لأن استعراض الخريطة قد يتطلب منك أن تركن سيارتك بجانب الطريق لتنظر في الهاتف)، ولكن قد يكون الحل في مجموعة من التوجيهات المنطوقة التي يصدرها جهازك: "هناك تكدس مروري في الطريق السريع. يمكنك التوجه إلى الشارع التالي جهة اليسار حتى تصل إلى حي السوق، ثم توجه يمينًا حتى تصل إلى الطريق السريع"..." ومن المتوقع كذلك أن تتمكن الخرائط في القريب العاجل من استيعاب العلاقات الجوهرية بين الأنشطة. فعندما تبحث مثلاً عن موقع انعقاد الاجتماع، ربما تتمكن الخرائط من إخبارك بالأماكن المخصصة في الجوار لانتظار السيارات، وبذلك تتفادى الاحتكاك بسيارات الآخرين عند الوصول. وإذا كنت تفضل السفر مستقلاً وسائل المواصلات العامة، فقد تحل الخريطة مشكلة طالما كنت تعاني منها مع خرائط الطرق التقليدية حيث ستخبرك بمواقع محطات النقل العام. ولا شك أن هذا المفهوم لا يقتصر على الاتجاهات فقط؛ فإذا كان يلزمك حضور اجتماع عمل ولكن خارج حدود بلدك، فسيمكنك الحصول على معلومات من هاتفك حول حالة الطقس وأسعار العملات وأدوات الترجمة إلى لغة البلد الذي تقصده عند هبوط الطائرة به. وبذلك تصبح التكنولوجيا أداة طيِّعة بين يديك تحصل من خلالها على اقتراحات ثم تختفي بسرعة من أمامك حتى تستطيع إنجاز ما أنت بصدده من مهام عادية. ربما تكشف لنا الأيام عن ابتكارات لا حدود لها في مجال الخرائط ولذلك دعونا نرى ما تخبئه لنا تكنولوجيا المستقبل أكثر من مجرد تقديم الاقتراحات. فربما يصل الأمر إلى أنك لا تحتاج إلى قيادة السيارة لحضور هذا الاجتماع وذلك بعد أن تساعد الخرائط في توفير سيارات تعمل ذاتيًا وبدون سائق، ومن ثم نصبح مجرد ركاب.