الأخصائية في علم النفس د. بولا حريقة: لهذا يضرب الرجل المرأة!

العروس الحزينة

العروس الحزينة

 ودأت رحلة الدموع

ودأت رحلة الدموع

 الدكتورة بولا حريقة

الدكتورة بولا حريقة

الحزن... وبداية المشوار

الحزن... وبداية المشوار

إنتشرت منذ فترة قصيرة قصة العروس المصرية التي دخلت في غيبوبة بعدما تعرضت لضرب عنيف من قبل عريسها الذي بدأ حياته معها بالشتم والضرب كي يثبت رجولته، وبناء على طلب والدته حسب ما أدلى في تصريحه.. وقبلها نقلت مواقع التواصل الإجتماعي فيديو لعريس شعر بالإنزعاج عندما كانت عروسه تمازحه بالشوكة أثناء إطعامه قطعة من الحلوى، الأمر الذي أدى الى صفعها بقوّة على وجهها، وفي حالة مماثلة تلقت عروس أخرى صفعات على يديها اللتين كانت تداعب وجهه بهما...
 
تعددت القصص، والتعنيف واحد، ومما يثير الإستغراب بداية الحياة الزوجية بهذه الخطوات العنيفة ، لكن لماذا؟ "هي" قصدت الأخصائية في علم النفس الدكتورة بولا حريقة، وسألتها: 
 
•ما هي الأسباب التي تدفع العريس في بداية زواجه وتحديداً من ليلة الدخلة الى تعنيف زوجته؟ وما الأسباب التي تدفع المرأة الأم الى الوقوف بوجه المرأة العروس وتحريض ابنها على إظهار رجولته من الليلة الأولى؟ 
 - إظهار الرجولة منذ الليلة الأولى مفهوم أشير إليه بصورة رمزية في بعض الثقافات الذكورية بالقول بقطع رأس القط لتعويد المرأة على الخضوع للرجل. ولا يختلف قطع رأس القط عن التعنيف، فكلاهما سلوك عنيف بامتياز. أما بالنسبة للمرأة الأم التي تحرض ابنها على تعنيف زوجته منذ الليلة الأولى فمردّه الى سببَين 
 
* الاجتماعي: خوف الأم من أن تكون شخصية زوجة ابنها أقوى من شخصيته فتتغلب عليه وتصبح الآمرة الناهية، وفي هذا السلوك إهانة للعائلة كلها، لا سيما في المجتمعات الذكورية التي تعطي الرجل الحق في "تأديب" الزوجة. كما تعتبر أن عدم ضرب المرأة إهانة لرجولة الرجل في المجتمعات عينها. فلذلك تحرّض ابنها على تعنيف زوجته حفاظًا منها على سمعته الذكورية.
 
* النفسي: رفضها اللاواعي أن تُعامل كنّتها معاملة لم تحظَ بها من قـِبَل زوحها. فتريد، وبلا وعي منها، أن تذوق كنّتها ما ذاقته من عنف وإذلال بغية الشعور بالمساواة بها بالظلم والضعف. لذلك، فبدلاً من أن توصي ابنها بالرحمة والعدل والاحترام تحوّله الى مريض لتنتقم لنفسها الضعيفة بإلحاق الأذى بكنّتها.  
 
•هل مفهوم تعنيف المرأة مرتبط بتربية الرجل أم بشخصيته أم ببيئته؟
- هو مرتبط بأسباب بيولوجيّة، تربويّة اجتماعية اقتصادية ونفسيّ. بيولوجيًا تبيّن أنّ جزءًا من المخ متخصص بالعواطف يسمّى Amygdala يحتاج إلى أن يُستثار منذ الطفولة بكل أنواع العواطف الإيجابية، وبالتالي فإن عدم استثارته يؤدي إلى ضموره وإلى نمو السلوك العدائي. كما لوحظ أيضًا أن ارتفاع مستوى هورمون الذكورة "تيستوستيرون" يولّد سلوكًا عدائيًّا. وهذان السببان قد يوصلان إلى القتل إذا كان الرجل تحت تأثير الكحول أو المخدّر. أما تربويًا واجتماعيًا نجد أن الشخص الذي ينشأ في منزل تتعرض فيه الإناث للتعنيف ويتشرّب مفهوم "تأديب المرأة"، سيعامل أخواته وزوجته وبناته بالمثل. كما أن التربية الذكورية التي تفرّق بين الذكور والإناث، منذ الولادة، تلعب دورًا مهمًّا في تكريس مفهوم التمايز بين الجنسَين معنويًّا ونفسيًّا وجسديًّا، وتتبلور من خلال إجبار الأنثى على الرضوخ لوالدها وأخيها وخدمتهما، الأمر الذي عزّز فوقية الرجل ودونية المرأة حتى تثبت في ذهن الرجل أنها ضعيفة، وأن سلوك السيطرة والتحكم بأفراد الأسرة وتعنيفهم دلالة على الرجولة.
 
•ماذا عن أسباب إضطراب الشخصية؟
أما بالنسبة الى الشخصية فالأفضل القول باضطرابها لأسباب متعددة نذكر منها: 
 
أولاً: الحرمان العاطفي والمعنوي مضافٌ إليهما الحرمان المادي تترك آثارًا عميقًة ذهنيًّا ونفسيًّا وبيولوجيًّا وتتسبب بعدم انتظام الإفرازات الهورمونية، مما يضاعف التوتر الذي يجد متنفّسًا له في العدوانية والعنف
 
ثانياً :  تعرّض الرجل، في بعض مراحل حياته أو كلها، للإهانة والحطّ من قيمته وقدره، فيلجأ إلى ضرب الضعيف انتقامًا لنفسه لأنه يكون بذلك يضرب ضعفه؛ أو أن يكون قد عانى الاضطهاد الذي ولّد في داخله الشعور باهتزاز صورة الذات وانعدام القيمة الذاتية وجرحًا نرجسيًّا خطيرًا يودي به إلى التفكك النفسي والاختناق لعجزه عن الاحتجاج أو الانتفاض على المعاملة السيئة التي تعرض لها، فتنمو بالتالي "أناه" قاسية ويصبح بدوره مضطهِدًا يوجّه عدوانيته إلى الأضعف، لأنه ضعيف الشخصية أمام الأقوياء. لذلك يُسقط على المرأة ضعفه أي أنه لا يضرب المرأة بل يضرب ضعفه من خلالها. لذلك يُعتبر رضوخ المرأة لعنف زوجها مرآة تعكس انكساره أمام الآخرين. 
 
ثالثاً: معاناة الرجل عدم الاتزان النفسي أو الخوف من الآخرين بشكل عام لأسباب متعددة تعود بمجملها إلى طفولته
 
رابعاً: معاناة الرجل الفشل في حياته الدراسية والمهنية ما يولّد العجز عن تحمل المسؤوليات، أو معاناته الضغط والتوتر، فيصبح بالتالي قليل الصبر والحيلة ويتحوّل إلى العدوانية إمّا إثباتًا لوجوده للتخلص من عقدة الفشل أو لتنفيس شحنات التوتّر التي تتملّكه. 
 
خامساً:  إصابة الرجل بما يُسمّى بـ "عقدة كره النساء" بسبب سوء التربية التي تلقاها في طفولته سواء من أمه أو جدته أو أخواته الأكبر منه سنًّا، لذلك ينتقم منهنّ بتعنيف حبيبته أو خطيبته أو زوجته ولن تنجو ابنته من التعنيف أيضًا. 
 
•وهل تلعب الأسباب الإقتصادية والإجتماعية دورها أيضاً في هذا الشأن؟ 
•بيّنت الدراسات وجود علاقة بين العنف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وبين تعنيف المرأة. فكلّما تأزمت الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية أُصيب الرجل بإحباط كبير تدفع المرأة ثمنه تعنيفًا لها. وكلّما كانت السياسة المتّبعة من قِبَل الدولة قمعية ارتفعت نسبة النساء المعنّفات فيها لأن تعرّض الرجل للحرمان وشعوره بالفشل في إعالة أسرته، يجعلانه عرضة لعدم الاتّزان والاستقرار النفسيَّين فيلجأ بالتالي إلى استخدام وسائل دفاعية سلبية كالعنف ضد المرأة وأفراد الأسرة، أي إلى رد فعل إسقاطي على الكائن الأضعف منه انتقامًا لمشاعر الضعف النفسي التي تنتابه 
 
•ما عواقب بداية الحياة الزوجية بأسلوب تعنيفي؟
- لا حياة زوجية في المفهوم السامي للمعنى. إنما سيكون هناك مسكن يضم أفرادًا يتعذبون. زوج مضطرب يسقط اضطرابه على زوجته وأولاد.. إمرأة مسحوقة تتألم، وقد تسقط بدورها ألمها النفسي على أطفالها. إبن ذكر قد يقتبس العنف البدنّي عن والده فيصبح عنيفًا تجاه أمه وزوجته وبناته في ما بعد، أو يرفض ما يراه فيتحول إلى عنيف أيضًا لأنه يريد الانتقام من نفسه ليضرب ضعفه الذي منعه من الدفاع عن أمه، أو أن يقتبس العنف المعنوي واللفظي من الوالد الذي يشوّه صورة الأم، ما يؤدّي لرفض أوامرها والتطاول عليها مثلما يفعل الأب أما الفتاة فيمكن أن تقتبس الانسحابية والخضوع وتصبح صورة ممتدّة للأم، أو أن تكره الرجل وبالتالي تكره الزواج، أو أنها ترفض جنسها كأنثى وتتمثّل السلوك الذكوري لتصاب حياتها العاطفية والجنسية بالضرر أيضًا.