ما الذي نبحث عنه في هذه الحياة؟

هي: جمانة الصباغ
 
سؤالٌ يخطر في بال الجميع من دون استثناء، ليس فقط في حال اليأس والإحباط والحزن كما يتخيل بعضنا، بل في معظم الأوقات حيث يفكر المرء للحظة عن جدوى ما يفعله في الحياة وما يبحث عنه بالفعل.
 
الحب؟ السعادة؟ المال؟ السلطة؟ الصداقة؟ الصحة؟ راحة البال؟ رضا الخالق؟ الإستقرار؟ النجاح؟ الطمأنينة والأمان؟ الوفاء والإخلاص؟ السلام؟ ماذا بعد؟! كلها أمورٌ نطمح إليها ونسعى جاهدين لتحقيقها، بالطرق السهلة والصعبة. قد نتجاوز المخاطر والصعاب، قد ننجح وقد نفشل، وقد لا نحقق أياَ منها، لكننا نبقى في سعي وبحث دائم عن أشياء كثيرة نطلبها في الحياة.
 
هي إذن النفس البشرية التواقة دوماً إلى شيء آخر مختلف كل يوم، هي الروح الطموحة الساعية وراء التطور وتحقيق الذات والنجاح والعيش ببحبوحة ورخاء. هي العقل المفكَر والمدبَر دوماً لحال الإنسان، يأخذه في تجارب كثيرة فيكبو في بعضها وينتصر في الآخرى. لكن إلى أي مدى ندرك ما نريد وما نبحث عنه؟ وهل كل ما نرغب به هو ما نحتاجه فعلاً أم أنها مجرد أحلام وأمنيات عامة نسرقها من الآخرين وننسبها إلينا؟ وهل الفشل في تحقيق أي من هذه الأماني يعني النهاية بالنسبة للبعض؟
 
منذ الصغر، نطمح أن نكبر كما كبر أهالينا وأخوتنا، نريد أن نغيَر العالم من وجهة نظرنا ونرى المستقبل مشرقاً لنا بكل صوره. يعيننا في ذلك أهلنا ومدرسونا وأخوتنا وأصدقاؤنا، ونبقى نرسم للغد وجوهاً متعددة تتغير كل يوم حسب الجديد الذي نكتشفه في حياتنا، إلى أن يأتي الوقت الذي نكبر فيها بالفعل، فتصبح أكثر تلك الأماني والصور مجرد أحلام مرت في البال وذهبت لأنَ الواقع جاء مغايراً لها بالكامل. نصطدم بالواقع الذي يختلف عن أحلامنا، فندفن بعضها في الذاكرة فيما نضحك على البقية معلَلين ذلك بأننا كنا صغاراً وغير ناضجين.
 
قد يكون الأمر كذلك، لكن ماذا نقول للناضجين الذين يبقون متشبثين بأحلام الطفولة ومصرَين على تحقيقها حتى وإن لم تكن لديهم الإمكانيات ولم تسعفهم ظروفهم لتحقيق ذلك؟ هل هم مدركون فعلاً لاستحالة ما يطمحون إليه أم أن لديهم تفكيرٌ وتخطيطٌ مغاير؟ 
 
الحياة رحلةٌ للبحث، عن الذات وعن غير المعروف، رحلة التنقيب عن مكنونات أنفسنا وكنوز الأرض لننهل منها ما نريد وما نحب. هي الرحلة التي تأخذ مسارات كثيرة عكس المخطط والمتوقع في بعض الأحيان، لكنها تبقى الرحلة الأجمل على الإطلاق، فمنها وإليها ندرك ماهية وجودنا وذواتنا، نستشرف من خلالها أسرار الحياة وجوهرها المكنون، نتعلم منها ما تعجز الكتب عن تعليمنا إياه، نصطدم بحقائق الغير وحقيقتنا لنصل إلى الحقيقة الأكبر. 
 
الحياة رحلةٌ نتعلم فيها الرحمة من القسوة والنجاح من الفشل والحب من الكراهية؛ رحلةٌ بمطبات كثيرة وكبيرة تليها استراحاتٌ جميلة، يرافقنا فيها الأهل والأحبة والأصدقاء والزملاء، فيبقى من يستحق البقاء ويرحل من لا مكان له بيننا. وفي كل خطوة نخطوها في الحياة، ترتسم أمامنا أفاقٌ جديدة وملامح للحياة ولأنفسنا ندركها بعد حين.
 
لن تتوقف النفس البشرية عن البحث ما دامت تنبض بالحياة، ستبقى تبحث عن الحياة وفي الحياة عن أسرار وأفكار وأبعاد جديدة لأنها خُلقت على حب البحث. فلا تتوقفوا أبداً عن البحث عما تريدون، الحياة رحلةٌ قطارها ينتظر الجميع.