آمال مكاوي: الفن خلال الأعوام الأخيرة أصبح كالموضة يتباهى به الناس

آمال مكاوي هي مؤسسة جاليري "آرت سوا"Art Sawa ، والذي افتتح أبوابه في العام 2008، وحقق خلال العامين الماضيين نجاحاً مذهلاً ليس فقط في عرض أروع الأعمال الفنية، وإنما أيضاً في إزالة هالة الغموض الذي اعتاد الجمهور أن يراها تحيط بالأعمال الفنية.

لماذا قمتِ بتأسيس جاليري "آرت سوا"؟

أنا عاشقة متيّمة بالفنون، وهذا الجاليري أحد الأحلام التي كنت أخطط لتحقيقها منذ فترة طويلة. المسألة ليست مجرد طموح شخصي أردت تحقيقه، ولكن كلما أمعنت فيما يحدث في المنطقة، ترسخ عندي شعور بضرورة أن نفعل شيئاً لتشجيع الفنون والثقافة. فالفنون والثقافة تملك القدرة على التعبير عن الكثير من الأشياء بطريقة ذكية مبتكرة، وأنا أعشق هذا.
والجاليري ليس مجرد مكان تُعرض فيه الأعمال الفنية، فهو يلعب دوراً مهماً آخر هو إزالة الحاجز الذي يحول بين الجمهور العادي وبين تذوق الفنون، وفهمها عن طريق ورش العمل التي نعقدها، وأنا هنا أطبق فلسفتي التي أؤمن بها.

ما الذي حققتِه حتى الآن على صعيد تحقيق أحلامك الفنية؟
أعتقد أننا حققنا الكثير، وكل ذلك خلال عامين فقط. فأطلقنا مثلاً مبادرات متصلة بالفنون الجماهيرية، مثل عرض أعمال رشيد خيموني، حيث نعرض أعمالاً تعبر عن معانٍ تتخطى الفن نفسه، وتحمل داخلها رسالة اجتماعية. كما أنني أحب مفهوم "الفنون الجماهيرية"، لأنه لا يجعل تذوق الفن شيئاً حصرياً على بعض الأفراد المتذوقين للفن، بل يشمل المجتمع أيضاً، وهذه المشروعات تعمل على نمو الذائقة الفنية للمجتمع، وتوحيد صفوفه. وأنا في غاية السعادة أن المعرض أصبح مقاماً بشكل دائم في أبوظبي. فهناك ثلاثة مجموعات فنية من هذا النوع في العالم، إحداها في باريس، والثانية في أبوظبي والثالثة في شنغهاي. وهذه المجموعة تحمل رسالة عالمية يجب علينا أن نصغي إليها.
وقد أنشأنا تجمعاً مع فنانين مصريين، وكنت سعيدة بالجمع بين عدد من الرؤى الفنية المتنوعة لفنانين من القاهرة من مختلف الأجيال والأوساط. كما أقمنا تجمعاً للفن الفلسطيني، وقد أحببته كثيراً، لأننا كنا في التوقيت نفسه في أحد المعارض في العالم العربي بباريس، ولكن الفنانين المختارين كانوا من الفلسطينيين الشتات. أما رؤية الجاليري، فتقوم على أخذ الفنانين من فلسطين نفسها. وجاء المعرض خاماً من الناحية الفنية وغير هادف للربح، ولم يكن الأمر سهلاً، لأننا نعلم جميعاً أن فلسطين تعيش أوضاعاً صعبة، ولكنا تلقينا آراء مشجعة من المحكّمين والجمهور.
كما أننا نحرص على الترويج لفنانينا، وعرض معارضهم الفردية بعد انتهاء فعاليات المعارض الجماعية، كما عرضنا أعمال بعضهم في معرض بينالي البندقية Venice Biennale الشهير. وهو أمر رائع أن حققناه. فعندما يحرص كل منا على المساهمة، ولو بشيء بسيط، نغدو في نهاية الأمر أمام بناء كامل. أما إذا لم نهتم بهذه الإسهامات، فإن فنانينا سيطويهم النسيان في ما بعد، ولن ينتبه إليهم أحد. وأنا أشعر بنشوة كبيرة لأن الفنان كميل زكريا سوف يمثل لبنان في معرض "بينالي البندقية" هذه السنة. فقد فاز كميل بجائزة هذا الصيف عندما شارك في "بينالي البندقية" للعمارة من البحرين. شيء جميل ومفرح أن يصبح هذا الفنان معروفاً عالمياً، ولكن لا أحد يعرفه هنا.
إنني أشعر بسعادة كبيرة عندما أرى الفنانين وعطاؤهم الفني ينمو، فالمهم ألا ترى أعمالهم فقط، بل ترى أيضاً الأعمال الأكثر نضجاً التي تليها. من المثير أن تتأملهم وهم يبدؤون في التفكير، وتزداد جرعة الاطمئنان والحرية في عملهم.

كيف تختارين الفنانين الذين تُعرض أعمالهم في الجاليري؟

في البداية لا بد أن يكون الاختيار قائماً على إعجابي بأعمال الفنان. إنها مسألة علاقة شخصية مع الفنان، وليست علاقة تجارة أو تسويق. يجب أن يشدني الفنان بأعماله، ويدفعني للتأمل والتفكير فيها، وأنا أعتقد أنني أستطيع تمييز ذوي الموهبة منهم.
كما أنني أبحث عن الفنانين الذين يملكون ناصية التحكم في أسلوبهم، وأقصد بذلك المحترفين الناضجين في أسلوبهم الفني. بعض الناس يقولون: "إنهم لا يفهمون الفن المعاصر"، ولهذا عندما يكون لديك فنان محترف في أسلوبه، فإن الأمر يكون أسهل بكثير عندما تشرح عمله لهؤلاء الناس.
إن كل فن جميل يقف وراءه فنان واعٍ، والفنان يستطيع أن يفرض فكره على فنه عندما يمتلك ثقافة قوية. هناك أيضاً الكثير من الفنانين، ممن يصح أن نطلق عليهم صفة المعلمين، وهؤلاء يستطيع الجمهور العادي بسهولة فهم أعمالهم، لأنهم لا يألون جهداً في الحديث واستخدام الكلمات في التعبير عن معاني أعمالهم. الموهبة أيضاً مهمة في الاختيار. وكما ترين فإن هناك الكثير من الأشياء التي تحدد اختيار الفنانين لعرض أعمالهم.

برأيك ما هو أكبر التغيرات التي شهدها الحقل الفني خلال الأعوام القليلة الماضية؟

أرى أن الفن خلال الأعوام الأخيرة أصبح كالموضة يتباهى به الناس، مثل تباهيهم بامتلاك آخر صيحات الأحذية من ماركة "جوتشي"، ولكن قيمة الفن أسمى بكثير من ذلك. فالفن وسيلة تعبير، مثل القراءة والموسيقا، وله جذوره القوية في ثقافة الشعوب.
كما سترين أيضاً أن العلاقة هنا في الشرق الأوسط مع الفن علاقة "امتلاك"، فنرى البعض يقول: "إنه يمتلك أو يجمع مقتنيات فلان الفلاني". ولكن العلاقة مع الفن لا ينبغي أن تكون علاقة "امتلاك" بل علاقة "تشجيع". يجب أن تكون علاقة رعاية نساعد فيها الفن على الاستمرار، ونساعد الفنان على البذل أكثر والتعبير عن نفسه، وتجريب الأفكار الجديدة. وقد لا تكون أعماله حاضرة بعد، ولكن الأهم أن نعطيه المناخ الملائم للتفكير والإنتاج والاستمرار. فهذا أهم بكثير من أن يأتي أحدهم ليقول: إنني أملك مجموعة مقتنيات فنية وكفى.
عندما أشتري عملاً فنياً، ينبغي عليّ ألا أفكر في أن الثمن الذي دفعته هو ثمن العمل، بل هو الثمن الذي يجعل الفنان قادراً على العيش والتعلم والسفر والاطلاع على التجارب المختلفة. إننا بذلك نمنحه الفرصة لكي يواصل إنتاجاته الإبداعية ونموه الفني. وأعتقد أن المناقشات الفنية الآن قد صارت تتحدث عن آلية الإبداع الفنية بأكثر من الحديث عن الإنتاج الفني نفسه. إننا نعاون الدماغ - دماغ الفنان – لكي يكون قادراً على إبداع المزيد من الأعمال ذات المستوى الفني الراقي. هذا هو ما أؤمن به في الواقع.
برأيك ما هي أهم العوائق التي تقف أمام نمو سوق الفنون في المنطقة؟
أعتقد أنها غياب التنظيم والهياكل المناسبة للفنون الجميلة، التي تسمح للفنانين بحرية التعبير عن أنفسهم. إن الفن قادر على تحقيق الانتشار والوصول للكثيرين. وما يعجبني في الفنانين هنا في الشرق الأوسط أن لديهم القدرة على التعبير عن قضاياهم، ومن دون أن ينطوي ذلك على عدوانية على أحد. إنني أجد في هذا أمراً مذهلاً، وهو يستحق أن نتأمله ونتمعن فيه. إننا جزء من ثقافة باتت مهضومة، ولاتزال تمضي قدماً. ومن السهل أن تصرخ بأن هذا وضع خاطئ، وأن تقول إنني سأضع هذه الصورة، وسأجعلك تشاهدها وسأصدمك بها. أما فنانونا، فإنهم يملكون حكمة وذكاء للقيام بالفعل نفسه، ولكن بطريقة معينة. إن هذا هو ما يعطيك القوة. فعلى غرار أعمال (علي ريزا)، أعمال هؤلاء الفنانين لا تقول شيئاً بشكل مباشر، ولكن بطريقة ملتفة وذكية تلمسك من دون أن تكون صادمة أو مؤذية لك.

أي من الكتب الخاصة بالفن في رأيك ترينها جديرة بأن يقرأها كل المتحمسين للفنون في المنطقة؟

أعتقد أنه كتاب "Art & Patronage:The Middle East" والذي حرره كل من حسين أمير ساديجي، وميريام هومايون إيسلر. وأهم من الكتب أن يزداد عدد المهتمين بالفن والمشاركين فيه بطرق مختلفة.